كتب زياد عيتاني في “اللواء”:
في زمن تتسارع فيه التحوّلات الإقليمية، وتتقاطع فيه المصالح والتحديات، برز اسم الأمير يزيد بن محمد بن فهد بن فرحان آل سعود كأحد أبرز الوجوه الدبلوماسية السعودية التي تدير الملف اللبناني الشائك بحنكة وهدوء.
وقبل الدخول في كواليس دوره الممسك بالملف اللبناني، لا بد من الإشارة إلى أن الموقف السعودي الحازم الذي أبلغه لكل من إلتقاهم خلال زيارته الأخيرة الى لبنان تجلّى بوضوح في فضيحة «أبو عمر»، التي تركت درساً قاسياً للطبقة السياسية اللبنانية، حيث أفهمهم أن الوهم لا يبني دولاً، والقنوات الخلفية لا تصنع سياسات، والبحث عن «وسطاء» خارج الأطر الرسمية لا ينتج إلّا فضائح. السعودية واضحة؛ ممثلوها الرسميون هم الأمير يزيد بن فرحان والسفير وليد بخاري، وأي شيء خارج هذا الإطار هو مجرد وهم. هذا الموقف الحازم أرسى قاعدة جديدة للتعامل: القنوات الرسمية فقط، ولا مجال للارتجال أو المغامرات الفردية.
• من الكواليس إلى الصدارة
يشغل الأمير يزيد بن فرحان، الحاصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة الملك سعود، منصب مستشار وزير الخارجية السعودي للشأن اللبناني، حيث يترأس اللجنة المختصة بالملف اللبناني في الوزارة. ورغم أن اسمه لم يكن مألوفاً بشكل واسع في الساحة الإعلامية، إلّا أن حضوره الميداني المتكرر في بيروت خلال العام الماضي كشف عن دبلوماسي من طراز رفيع، يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والمرونة التكتيكية.
تعرّفت الساحة اللبنانية على الأمير يزيد في بداية عام 2025، عندما أجرى صولات وجولات مكثفة مع القوى السياسية المحلية، دافعاً باتجاه انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، بعد فراغ رئاسي دام أكثر من عامين. كانت تلك الزيارة بمثابة إعلان عن عودة الاهتمام السعودي بلبنان، ولكن من بوابة مختلفة هذه المرة: بوابة الدولة ومؤسساتها.
• ثلاث زيارات ورسالة واحدة
لم تكن زيارات الأمير يزيد إلى بيروت مجرد بروتوكول دبلوماسي روتيني. فقد زار لبنان على الأقل ثلاث مرات رسمية خلال عام 2025، إضافة إلى زيارات متابعة في مطلع عام 2026، وهو ما يعكس مستوى الاهتمام السعودي بمتابعة التطورات اللبنانية لحظة بلحظة.
في زيارته الثانية خلال أيلول 2025، شدّد الأمير يزيد على ضرورة استكمال الجيش اللبناني لتنفيذ خطة حصر السلاح، محذّراً من «تبريد الأجواء» والدعوة إلى الاستمرار بالزخم نفسه الذي بدأته الحكومة. كما بحث مع رئيس الجمهورية الموقف اللبناني من القضايا الإقليمية الكبرى، في إشارة واضحة إلى أن لبنان مطالب بتحديد بوصلته السياسية بوضوح.
أما زيارته الثالثة في تشرين الثاني، فقد حملت طابعاً تحذيرياً ودعموياً في آن واحد. فبينما أكد على ضرورة التزام لبنان بالمسار الدولي لتجنّب التصعيد المقبل، تابع بدقّة تفاصيل ضبط المعابر الحدودية وعبور البضائع اللبنانية إلى المملكة، في رسالة طمأنة حول استمرار التعاون الاقتصادي.
• مؤتمر باريس:الاختبار الكبير
في زياراته الأخيرة مطلع عام 2026، كان التحضير لمؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر في باريس في الخامس من مارس المقبل على رأس الأولويات. وخلال لقاءاته، أشاد الأمير يزيد بشكل لافت بأداء قائد الجيش، معتبراً أنه نجح بشكل كبير في مهامه على رأس المؤسسة العسكرية. كما أثنى على رئيسي الجمهورية والحكومة، واصفاً إياهما بـ«الثنائي الناجح».
لكن الثناء لم يكن مجانياً. فالعنوان الأبرز في جميع لقاءات الموفد السعودي كان واضحاً: السلاح وضرورة حصره سريعاً. فالمملكة، وإن كانت راضية عن ما أحرزه الجيش اللبناني، إلّا أنها تتمنى أن يتم إنجاز نزع السلاح غير الشرعي بشكل أسرع.
• الدعم المشروط: معادلة جديدة
خلص عدد من الشخصيات اللبنانية التي التقت الأمير يزيد إلى قناعة مفادها أن الاحتضان السعودي للبنان والدعم المطلق للدولة ومؤسساتها سيُترجم على كل المستويات، لكن فور الانتهاء من ملف السلاح غير الشرعي. هذه المعادلة الواضحة تعكس نهجاً سعودياً جديداً يقوم على مبدأ: «الدولة أولاً».
تعاطى الأمير يزيد في لقاءاته بمنطق استيعابي، وبهدف التشجيع على رص الصفوف، مؤكداً أن المملكة تقف مع جميع الأطراف التي تسعى إلى قيام الدولة في لبنان وإعادة بنائها. هذا الخطاب الشامل يهدف إلى تجاوز الانقسامات الداخلية، وبناء توافق وطني حول أولوية استعادة سيادة الدولة.
• التنسيق الإقليمي والدولي
لم تكن الجهود السعودية منفردة. فقد تميّزت زيارات الأمير يزيد بالتنسيق الوثيق مع الجهات الدولية الفاعلة في الملف اللبناني، بما في ذلك الموفد الرئاسي الفرنسي والسفير الأميركي. هذا التنسيق يعكس رؤية سعودية ترى في الحل اللبناني مسؤولية جماعية، تتطلب تضافر الجهود العربية والدولية.
كما تؤكد زيارات الأمير بن فرحان المتكررة إلى بيروت أن السعودية، ومعها الدول الخليجية، تنظر إلى مستقبل لبنان من زاوية ثابتة: الدولة أولاً. فالدعم العربي مشروط بقيام مؤسسات فاعلة، وجيش قوي، وسلطة قادرة على بسط سيادتها وحماية استقرارها.
• الدبلوماسية الهادئة: نهج ناجح
يصف المقرّبون من الأمير يزيد نهجه بأنه «دبلوماسية هادئة»، حيث يملك القدرة على العمل بعيداً عن الأضواء، وينجز مهامه بإتقان وهدوء. هذا النهج أثبت فعاليته في ملف معقد كالملف اللبناني، الذي يتطلب صبراً وحنكة ومرونة.
فالأمير يزيد لا يكتفي بنقل الرسائل السياسية، بل يتابع التفاصيل الدقيقة، من ضبط المعابر الحدودية إلى آليات التنسيق الأمني، مروراً بالاستعدادات للمؤتمرات الدولية. هذا المستوى من المتابعة يعكس جديّة المقاربة السعودية للملف اللبناني.
• خارطة طريق واضحة ومسار محدّد
تشير الزيارات المتكررة للأمير يزيد بن فرحان، والتأكيد على حصر الملف اللبناني بالقنوات الرسمية، إلى أن السعودية رسمت خارطة طريق واضحة للتعاطي مع لبنان، تقوم على المحاور التالية:
أولاً: القنوات الرسمية فقط؛ الأمير يزيد بن فرحان والسفير وليد البخاري هما الممثلان الوحيدان للموقف السعودي في لبنان. لا وسطاء، لا قنوات خلفية، لا «أمراء وهميين».
ثانياً: دعم المؤسسات الشرعية؛ الرئاسة، الحكومة، والجيش، باعتبارها الضامن الوحيد لاستقرار البلاد.
ثالثاً: حصر السلاح بيد الدولة؛ شرط أساسي لأي دعم كبير، سواء كان اقتصادياً أو سياسياً.
رابعاً: التنسيق مع المجتمع الدولي لضمان تكامل الجهود وعدم تناقضها.
خامساً: الاستعداد لتقديم دعم اقتصادي واسع فور إنجاز الاستحقاقات السياسية والأمنية.
• الرهان على المستقبل والدرس من الماضي
في زمن تشهد فيه المنطقة تحوّلات جذرية، تراهن السعودية على نموذج لبناني جديد: دولة قوية، جيش موحّد، ومؤسسات فاعلة. والأمير يزيد بن فرحان، بدبلوماسيته الهادئة وعمله الدؤوب، يمثل الوجه العملي لهذا الرهان.
ما هو مؤكد، أن السعودية عادت إلى لبنان، ولكن بشروط واضحة، وقنوات رسمية محددة، وبرؤية استراتيجية لا تقبل المساومة. والأمير يزيد بن فرحان والسفير وليد بخاري هما الوجهان الأبرز لهذه العودة، التي تحمل في طياتها وعداً بمستقبل أفضل، شرط الالتزام بخارطة الطريق المرسومة، والابتعاد عن الأوهام والوسطاء المزيفين. «الدولة أولاً، والقنوات الرسمية فقط» شعاران يترددان في أروقة بيروت، بلكنة سعودية واضحة، ونبرة حازمة لكنها داعمة. والأمير يزيد بن فرحان والسفير وليد بخاري هما حاملا هذين الشعارين، بكل ما يتطلبه ذلك من صبر وحكمة وإصرار.. وحزم.
