كتب إبراهيم الرز في “المدن”:
بعد مرور سنة على تكليف القاضي نواف سلام رئاسة الحكومة، يمكن إجراء تقويم يستند إلى ما ورد في البيان الوزاري وما تحقق فعلياً على مستوى القرار والتنفيذ، وما بقي معلّقاً أو متعثراً رغم انقضاء الوقت.
أولى الخطوات التي يمكن تسجيلها للحكومة كانت إجراء الانتخابات البلدية بعد سنوات من التأجيل. هذا الاستحقاق، شكّل مؤشراً على عودة حدّ أدنى من الانتظام الدستوري في الحياة المحلية، وكسر مسار التأجيل الذي تحوّل سابقاً إلى قاعدة في إدارة الاستحقاقات، لكن يبقى امتحان الانتخابات النيابية القادمة، الأكثر صعوبة، فكل المعطيات تبين أنها لن تحصل بموعدها .
في السياق نفسه، حاول العهد والحكومة تقديم حصيلة رقمية لما تحقق خلال السنة الأولى. في حديثه إلى تلفزيون لبنان أشار رئيس الجمهورية جوزاف عون، إلى أن عدد المراسيم الصادرة بلغت 2240 مرسومًا، من بينها 1249 مرسومًا عاديًا، و951 مرسومًا متخذا في مجلس الوزراء. وبلغ عدد جلسات مجلس الوزراء 45 جلسة، وعدد القرارات 1038، معتبراً أن هذا الرقم يشكّل دليلاً على إعادة وضع الدولة “على السكة الصحيحة”، مقارنة بالسنوات الماضية. عملياً، هذا الرقم يعكس استعادة الحد الأدنى من العمل الإداري ، لكنه لا يكفي للحكم على جودة القرارات أو فعاليتها.
لكن يبقى من أبرز القرارات التي اتخذتها الحكومة، قرار حصرية السلاح بيد الدولة، الذي شكل عنواناً مركزياً، وعلى الرغم من أن المرحلة الأولى المرتبطة بجنوب نهر الليطاني، وبحسب قيادة الجيش قد نفذت، إلا أن التحدي الأهم هو ما ستحمله السنة الجديدة، التي تشكل انطلاق المرحلة الثانية من حصرية السلاح أي من نهر الليطاني إلى الأولي، والتي ستصطدم بعدم موافقة حزب الله على التعاون، كما جاء على لسان أمينها العام الشيخ نعيم قاسم. لكن العام المنصرم بين، أن ما يقال على ألسنة مسؤولي حزب الله لا يعني بالضرورة أنه يطبق على أرض الواقع. ملف تسليم السلاح من المخيمات الفلسطينية أيضا وضع على السكة.
كذلك، ودائماً على الصعيد الأمني، لا بد من الإشارة إلى عملية ضبط الحدود البرية والجوية والبحرية التي قطعت شوطاً لا يستهان به قياساً إلى ما كان سائداً في السابق.
الحرب على المخدرات
في الملف الأمني أيضاً، تُسجّل الحرب على المخدرات كأحد إنجازات الحكومة، سواء من حيث تكثيف العمليات أو إعادة طرح الملف كأولوية أمنية. إلا أن هذا الإنجاز يبقى موضع اختبار طويل، لأن تفكيك شبكات المخدرات يحتاج إلى مسار قضائي وأمني متكامل.
على الصعيد الخارجي، شهدت العلاقات اللبنانية – العربية محاولات لإعادة الإحياء بعد سنوات من القطيعة والتوتر. صحيح أن العلاقات أعيدت “إلى السكة الصحيحة” مع عدد من الدول العربية، لكن هذه العودة لا تزال ناقصة، خصوصاً مع المملكة العربية السعودية، حيث لا يزال حظر سفر السعوديين إلى لبنان قائماً. فيما تحقق حتى الآن هو تحسين في مستوى التواصل السياسي، من دون عودة العلاقات إلى ما كانت عليه.
أما العلاقة مع الولايات المتحدة، فلا تزال معقّدة. ورغم أن غالبية المسؤولين الأميركيين المكلّفين بالملف اللبناني هم من أصول لبنانية، فإن هذا العامل لم ينعكس تحسناً نوعياً في مقاربة واشنطن للملف اللبناني. العلاقة بقيت محكومة بشروط سياسية وأمنية واضحة، ولم تتحول إلى شراكة دعم.
في الإطار المالي والتشريعي، يمكن تسجيل إقرار قانون الفجوة المالية كأحد أبرز إنجازات الحكومة، بغض النظر عن حجم الخلاف حول مضمونه وتداعياته. القانون طال انتظاره منذ بداية الأزمة المالية، ولم تتمكن حكومتا حسان دياب ونجيب ميقاتي من اتخاذ قرار بهذا الحجم. من هذه الزاوية، يُحسب للحكومة الحالية كسر الجمود في ملف مالي أساسي.
كذلك، طُرحت عناوين إصلاحية أخرى: قانون استقلالية القضاء، تشكيل الهيئات الناظمة، رفع السرية المصرفية، وزيادة العائدات الضريبية. هذه الخطوات، على أهميتها ، لا تزال في مراحل متفاوتة من التطبيق.
سياسياً، يُسجَّل فرض منطق التصويت داخل مجلس الوزراء بديلاً عن نموذج “الديمقراطية التوافقية” التي حكمت عمل الحكومات السابقة وأدت عملياً إلى شلل القرار. اعتماد التصويت، رغم بساطته، شكّل خروجاً عن عرف تعطيل القرارات باسم الإجماع.
في المقابل، تتكشّف مجموعة من الإخفاقات أو الملفات غير المنجزة. الإصلاح الإداري لم يكتمل، رغم كثرة التعيينات. معظم هذه التعيينات بقي خاضعاً لمنطق التوازنات الطائفية والمصالح السياسية، ما حدّ من قدرتها على إحداث تغيير فعلي في بنية الإدارة العامة.
على المستوى السيادي، لم تتمكن الحكومة من وقف الخروقات الإسرائيلية اليومية، أو حتى الحد منها، آخرها حزام ناري من 45 غارة على الجنوب، وهو ما يعكس محدودية قدرة الدولة على فرض معادلات ردع أو ضغط دبلوماسي فعّال.
خدماتياً، لا تزال الأزمات الأساسية قائمة. أزمة الكهرباء لم تشهد أي اختراق فعلي، رغم الوعود المتكررة من الوزير المختص. الإنتاج لم يرتفع، والاعتماد على الحلول المؤقتة استمر، من دون خطة واضحة قابلة للتنفيذ.
أما في ما يتعلق بالاستثمارات الخارجية، بما فيها ملف النفط، فلم تحقق الحكومة أي تقدم ملموس. لم تُسجل مشاريع استثمارية كبرى، ولم يُطرح أي مسار جديد يعيد الثقة بالاقتصاد اللبناني. هذا الفشل يعكس ضعفاً في الرؤية الاقتصادية، إضافة إلى مشكلة التنسيق بين الوزارات المعنية ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، سواء في ملف التعيينات الدبلوماسية أو في صياغة المواقف السياسية الخارجية.
خلاصة السنة الأولى: الحكومة أنجزت على مستوى القرارات والتشريعات. كُسر جزء من الجمود، لكن لم يُستكمل مسار الإصلاح. ما تحقق يشكّل انتقالاً من الشلل إلى الحركة لا إلى الحل.
القدرة على تنفيذ القرارات
ومع دخول الحكومة سنتها الثانية، ستنتقل تلقائياً من مرحلة تثبيت القرارات إلى مرحلة اختبار التنفيذ. الملفات التي جرى فتحها خلال السنة الأولى ستفرض نفسها كاستحقاقات إلزامية. قرار حصرية السلاح سيكون في صلب هذا الاختبار، من حيث القدرة على ترجمة القرار إلى خطوات عملية، ولو تدريجية، من دون انفجار أمني أو تراجع سياسي.
على الصعيد المالي، ستكون السنة الجديدة حاسمة في تطبيق قانون الفجوة المالية، وفي استكمال المسار التشريعي المتصل بإعادة هيكلة القطاع المصرفي. أي تأخير إضافي سيعيد فتح النقاش من نقطة الصفر، وسيضع الحكومة أمام ضغط داخلي وخارجي متزايد. كذلك، سيُقاس أداء الحكومة بقدرتها على تحويل القوانين الإصلاحية، ولا سيما استقلالية القضاء، إلى إجراءات تنفيذية واضحة.
في الملف الخارجي، ستتحدد نتائج مسار إعادة وصل العلاقات العربية بمدى القدرة على تحقيق خطوات عملية، وخصوصاً مع السعودية. رفع حظر السفر، أو الإبقاء عليه، سيكون مؤشراً مباشراً على مستوى الثقة، كما تموضع لبنان فيما يبدو أنه مسارين في المنطقة “مسار غربي، ومسار سعودي-سوري-تركي” سيكون مؤشراً ايضا، العلاقة مع الولايات المتحدة ستبقى مشروطة، لكن أي تقدم في ملفي الإصلاح وحصرية السلاح، قد يفتح هامشاً أوسع للدعم، ولا سيما للمؤسسة العسكرية، إذا ما عُقد مؤتمر دعم الجيش وتمخض عن نتائج ملموسة.
خدمياً، ستكون الكهرباء عنوان إحراج للحكومة في سنتها الثانية. استمرار الوضع الحالي سيُحوّل الوعود السابقة إلى عبء سياسي، فيما أي تحسن، ولو محدود، سيُحسب كاختراق نادر في ملف مزمن. في المقابل، ستبقى الاستثمارات الخارجية رهناً بقدرة الحكومة على تقديم ضمانات سياسية وقانونية، وهو اختبار لم تُظهر حتى الآن مؤشرات جدية على اجتيازه.
بمعنىً آخر، السنة الثانية ستقاس بقدرة الحكومة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بداية معالجتها.
