هذه الإنجازات في المغرب.. ولكن

هذه الإنجازات في المغرب.. ولكن
هذه الإنجازات في المغرب.. ولكن

إشترك في خدمة واتساب

يُحكى أن فتىً منغوليا سأل الحكيم كونفوشيوس: كيف لي أن أخدم ؟ أمعن الرجل في السؤال، فأجاب بكل امتلاء: "قل الحقيقة، بالحقيقة وحدها نخدم الوطن، ولو كانت مزعجة". الإيمان بحكمة الفيلسوف الصيني هذه حوّل أنصار الاختيار الديمقراطي والمعارضين لمشروع قتل السياسة في المغرب إلى مجرد عدميين، ومروجي أوهام، وعشاق هواية النقد، ممن لا يعجبهم العجب، ولا الصيام في رجب.
يستعين المدافعون عن السلطة بلغة الإنجاز للدلالة على أن كل شيء في البلاد بخير، وأن المنتقدين لتوجهات النظام يعمدون إلى تبخيس ما تحقق، ونشر السوداوية، والسعي إلى تغليط المواطنين بتقديم الجزء الفارغ من الكأس، كما جاء على لسان رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، الأسبوع الماضي. إذ لا يتردّد هؤلاء في تعداد الإيجابيات والمنجزات، مكرّرين سمفونية "العام زين" التي ألف المغاربة سماعها في التلفزيون الرسمي فقط، قبل أن تعم البلوى الحقل الإعلامي، بعد النجاح في استيراد النموذج المصري في الإعلام.
استطاع المغرب أن يرتقي، في السنوات الأخيرة، إلى مراتب متقدمة قاريا وعالميا في مجالاتٍ عديدة، بفضل المخططات الاستراتيجية والمبادرات الوطنية والأوراش الكبرى التي انخرطت فيها الدولة منذ سنوات خلت. ففي مجال تكنولوجيا الفضاء، تمكن في ظرف سنة من إطلاق
"لا يتردّد بعضهم في تعداد الإيجابيات والمنجزات، مكرّرين سمفونية "العام زين""
قمرين صناعيين (محمد السادس 1 و2)، ينضافان إلى "زرقاء اليمامة"؛ أول قمر صناعي أطلقه سنة 2001، ما جعله ثالث قوةٍ على صعيد القارة الأفريقية بعد مصر وجنوب أفريقيا. وارتقى في مجال الملاحة البحرية إلى المرتبة الأولى قارّيا و45 عالميا، بفضل مشروع ميناء طنجة المتوسط، بعدما كان في المرتبة 83 قبل حوالي 13 سنة فقط.
يسري الأمر نفسه على مجال النقل البري، فالمملكة تأتي في المرتبة الثانية بعد جنوب أفريقيا بأزيد من 1400 كلم من الطرق السيارة. وفي قطاع النقل السككي، أطلقت، قبل أسابيع فقط، أول خط للنقل السككي فائق السرعة، يربط مدينة طنجة في الشمال بالدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للبلاد، وهو الأول من نوعه في القارة الأفريقية.
من أكبر محطة لإنتاج الطاقة الشمسية (نور) في العالم في مدينة ورززات، إلى مشروع برج النور في الدار البيضاء كأطول ناطحة سحاب في أفريقيا، بارتفاع 540 مترا في 114 طابقا، مرورا بأكبر جسر معلق في القارة بين مدينتي الرباط وسلا، ومشروع أكبر مسرح في أفريقيا... يُسارع المغرب الخطى لتحطيم أرقام قياسية تمكّنه من تسويق اسمه أفريقياً؛ وهو العائد حديثا إلى رحاب منظمة الاتحاد الأفريقي، وعالميا مع شركائه داخل الاتحاد الأوروبي وفي بقية العالم.
تطول اللائحة التي يستعرضها المنافحون عن السلطوية في قصف إعلامي احتفائي شديد ضد كل من يحاول قراءة المنجزات من زاويته بتقديم رؤية أخرى، وهم ينسون أو بالأحرى يتناسون أن هذه المنجزات مهما كبرت تبقى دائما ضمن نطاق سؤال إشكالي؛ قديم يتجدد منذ بداية العهد الجديد عام 1999، وهو أيهما أهم وأوْلى: التنمية أم الديمقراطية؟
تندرج معظم منجزات "قصب السبق" السالف ذكرها ضمن خانة القرارات التي تعكس في البدء تقدما، لكنها في العمق تحمل فشلا. فهي تسوق على أنها علامة متميزة ودالة على تقدم المغرب، لكنها في طياتها تكشف عن تصور غير صائب لمفهوم للتنمية المنشودة، فعلى سبيل المثال، تطلب إنجاز مشروع القطار فائق السرعة ميزانية تصل إلى حوالي ثلاثة مليارات دولار؛ أي قرابة 3% من الناتج القومي الخام للمغرب. في وقت تشير تقارير وزارة المالية إلى استمرار ارتفاع المديونية في هذا القطاع، حيث وصلت، في النصف الأول من العام الجاري، إلى حوالي أربعة مليارات دولار. بهذا تكون المملكة قد حطمت رقما قياسا عالميا، حين أقدم على مشروع بهذه التكلفة مقارنة مع إنتاجها القومي، فلم يسبق لأي من الدول التي لديها هذا الصنف من القطارات أن وصلت إلى هذه النسبة.
لقد نهج المغرب مخططا تنمويا خاطئا، بالمسارعة إلى تحقيق عناوين برّاقة مثل أكبر جسر في أفريقيا وأول قطار سريع في العالم العربي، وأكبر صحن كسكس في العالم. في حين أن واقع الحال يفرض الرهان على تنميةٍ حقيقية، أساسها ديمقراطية تحترم الإرادة الشعبية بإسناد المسؤولية إلى من تفرزهم صناديق الاقتراع؛ قصد التطبيق الأمثل لمبدأ دستوري، قوامه اقتران المسؤولية بالمحاسبة، وإعمال قواعد الحكامة للحد من تضارب المصالح واستغلال النفوذ،
"تكلفة القطار فائق السرعة ثلاثة مليارات دولار، أي 3% من الناتج القومي الخام للمغرب"
والحرص على ضمان التوزيع العادل للثروات على عموم البلاد؛ وليس الوفاء للتقسيم الاستعماري القديم؛ المغرب النافع في الشمال مقابل المغرب غير النافع في الجنوب والشرق.
استعادة الدولة النموذج التونسي في زمن المخلوع بن علي، وتسويق احتلال المراتب في هذا المجال أو ذاك، لن يحل مشكلة تدنّي معدلات النمو، ولا أزمة التشغيل ومعضلة البطالة، ونسب الأمية والهدر المدرسي ومشكلات الصحة... وهلم جرا من المؤشرات التي تجعل البلد في ذيل الدول في التقارير العالمية السنوية.
كان حريا بدولة تُقدم نفسها استثناء في محيط إقليمي مضطرب، وعالم عربي ممزّق، أن تسعى إلى المنافسة على بلوغ مراتب جيدة في مؤشرات التنمية البشرية وحرية الصحافة وحقوق الإنسانية والشفافية، كي تثبت أنها صادقة في شعارها "الإصلاح في ظل الاستقرار" الذي رفعت منذ 2011. لكن يبدو أن أصواتا من المربع الضيق للسلطة تفضل السعي إلى احتلال المراتب الأولى في الاتجاه الخطأ فقط.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى أين الشيعة بعد 7 أيار؟!
 

شات لبنان