قفا نضحك

قفا نضحك
قفا نضحك

إشترك في خدمة واتساب

كتب الشاعر البحريني، قاسم حدّاد، على الشبكة العنكبوتية، تغريدةً يختصر فيها موقفا وجوديا لافتا في بضع كلمات: "لا جدوى، سيقتلنا الوقوف، سوف تقتلنا الدمعة، قفا نضحك!".
يريدنا حدّاد، نحن الذين نمارس طقس البكاء في مواجهة تدفق الشرور والمظالم التي تحيط بنا، أن نضحك، لأن لا جدوى من البكاء، ولأن الضحك يجعلنا نتملّى ما يحيط بنا بشفافيةٍ تريح أعصابنا المتعبة. ولأنه يمنحنا جرعة أمل، ويجعلنا نثق بقدراتنا، وإنْ صغرت، على مواجهة تلك الشرور والمظالم. إنه الضحك على وقائع مرة، إنها السخرية من أوضاع ماثلة تضع المرء في حالة ذهول، تدفعه إلى المراجعة والتأمل والسعي إلى تدبر الحال.
وقائع من هذا النوع كثيرة في العراق هذه الأيام، إلى درجة أن كل ما تراه عيوننا، وما تسمعه آذاننا، يبدو كأنه مصمم عن عمد وسبق إصرار، كي يثير فينا الشعور بالمرارة، ولا ينفع معه، بحسب تغريدة حدّاد، سوى الضحك الذي يشبه البكاء.
قفا نضحك إذن. .. تنقل وسائل التواصل الاجتماعي إلينا آخر ما استجد في هذا الباب، تعالوا معنا لنضحك.
سيناريو الأمطار الشريرة التي دهمت مصرفا رئيسيا في قلب العاصمة بغداد، وأجهزت على خزائنه المحصنة، وأتلفت المليارات من العملة العراقية، لا يمكن أن يستقيم مع العقل. المثير هنا أن الواقعة، بحسب رواتها، حدثت قبل خمس سنوات، وجرى التكتم عليها في حينه. لماذا؟ لا أحد يعرف، المثير أيضا أن المسؤول الأول عن حماية العملة وعن ضمانها، وعن ترسيخ الثقة بالمصارف التي تتعامل بها يقول إن المبلغ لا يستدعي كل الضجة التي تصاعدت حوله، لأن طبع أوراق نقدية بقيمته الإسمية لا يكلف سوى بضعة سنتات.
هنا يبدو تبرير المسؤول المصرفي واردا، إذ ماذا تعني خسارة بضعة مليارات من الدنانير 
"يواصلون نهب المال العام، وقد أصبح وجودهم جزءا من إيقاع الحياة اليومية المألوف"
بجانب ما تم نهبه، أو هدره، من ثروة البلد على امتداد السنوات الخمس عشرة الماضية، والذي بلغ أكثر من تريليون دولار، ومقدار الديون المعلنة التي ما زال العراق مكبلا بها تجاوز مئة وأربعة وعشرين مليارا من الدولارات؟ وما تأثير الدنانير القليلة التالفة على وضع العراق الذي يقف اقتصاده على حافة الانهيار والإفلاس، بحسب ما قدّرته تقارير جهات دولية رصينة؟ ثم ما جدوى الضجّة المثارة حول قضية صغيرة كهذه، إذا كان "الحيتان الكبار" مازالوا يتبادلون المواقع والمنافع، ويلتصقون بالكراسي، ويواصلون نهب المال العام، وقد أصبح وجودهم جزءا من إيقاع الحياة اليومية المألوف. .. قفا نضحك إذن.
حكاية زوجة مسؤول كبير التي اغتصبت قبل ست سنوات عقارا تعود ملكيته للدولة، تجاوزت قيمته مئة وعشرين مليار دينار في واقعةٍ وثقتها هيئة النزاهة بإعلان رسمي، بدت كأنها من حكايات ألف ليلة وليلة. وعلى الرغم من الكشف المتأخر عن العملية، وما اكتنفها من تواطؤ وتزوير واحتيال مدبر، وصدور قرار قضائي باستعادة العقار، فإن أحدا لم يستطع أن ينال من مقام المسؤول الكبير، أو على الأقل أن يقول له: "على عينك حاجب"، كما لم يتمكّن القضاء حتى من أن يستجوب زوجته عن الواقعة، واكتفى بقرار الاستعادة الخجول، وعفا الله عما سلف، وإذا كانت هذه المسألة قد حلت على هذا النحو (العشائري)، وبدا الحل مقبولا لدى كثيرين، فكيف ستتم تسوية ملكية عشرات العقارات والقصور التابعة للدولة التي استولت عليها جهاتٌ حزبيةٌ وشخصياتٌ سياسية ودينية، وسجلت بأسمائها مقابل بدل شكلي، كما في حالة السيدة زوجة المسؤول الكبير، أو حتى التي جرى الاستيلاء عليها من دون بدل، وما تزال مغتصبة؟ قفا نضحك إذن.
هاتان واقعتان تحدّث عنهما الركبان، ومثلهما كثير، وكلها تعني سقوط المقاييس على نحوٍ ممنهج ومدروس، إذ لم تعد السرقة تمثل جرما، وقد أضحى فاعلها يتجاسر ويتفاخر بسرقاته، وحكايات الفساد والإفساد تنشر علنا، ويتداولها القاصي والداني، لكن لا أحد يعلق الجرس، حتى القضاء يبدو في وضع غيبوبةٍ لا يستجيب لأي إثارةٍ أو لفت نظر، ولا يتحرّك إلا بمقدار، والمواطن العادي يسقط هو الآخر في خداع الأمر الواقع، ومصيدة التبرير والانتظار، مكتفيا بالتماهي مع مسيرات اللطم والتطبير التي تمنحه الشعور بأن اشتداد البلوى عليه امتحانٌ لصبره، وعليه القبول والرضا به.
دعونا نضحك إذن.. فهذا هو موسم الوقائع المرّة التي تجعلنا نتمسّك بنصيحة قاسم حداد أن "لا جدوى، سيقتلنا الوقوف، سوف تقتلنا الدمعة، قفا نضحك"، حتى ندمن الضحك الذي يشبه البكاء.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى براڤو دولة الرئيس … «عملتها»