بمناسبة "بورتريه" عزمي بشارة

بمناسبة "بورتريه" عزمي بشارة
بمناسبة "بورتريه" عزمي بشارة

إشترك في خدمة واتساب

أصاب الكاتب الصديق سلام الكواكبي، في مقالته "تزوير من دون حدود.. تشويه إماراتي لنص في لوموند" في "العربي الجديد" (19/11/2018) لمّا صنّف المادة التي نشرتها الصحيفة الفرنسية عن المفكر العربي، عزمي بشارة، في 16/11/2018، "مقالةً مطوّلةً فيها نوعٌ من البورتريه الذكية"، استنبطها كاتبُها بانجمين بارت، بعد خمس ساعاتٍ أمضاها مع الدكتور بشارة. أما "لوموند" نفسُها فصنّفت المادة "بورتريه" (PORTRAIT). وليس تعالُما على الصحيفة العتيدة ميْلُ صاحب هذه الكلمات إلى أن توصيفَ الكواكبي أكثرُ دقّةً، ذلك أن الأسلوب والبناء اللذيْن انكتبت بهما المادة الشائقة والحاذقة (طالع صاحب هذه السطور ترجمتها بالعربية كما اعتمدتها "لوموند") يحضُر فيهما "نوعٌ من البورتريه"، إذ هي مقابلةٌ صحافية أساسا. هما ذاتُهما الأسلوب والبناء اللذان يعتمدهما الأميركي، جيفري غولدنبرغ، في تحرير مقابلاته الصحافية، المدهشة غالبا، في مجلة أتلانتك الأسبوعية، من قبيل مقابلتيْه مع ملك الأردن، عبدالله الثاني، في مارس/ آذار 2013، ومع الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، في مايو/ أيار 2015. وبانجمين بارت صحافيٌّ وكاتبٌ محترف، تعرّفنا، نحن القرّاء بالعربية، على كفاءته، من كتابه "حلم رام الله.. رحلة في قلب السراب الفلسطيني" (ترجمة سنا خوري، جروس برس - ، الأهلية - عمّان، 2013). وإذ نشر المقابلة مع عزمي بشارة بصيغتين: كما هي، أسئلةً وإجاباتٍ، وكما أراد لشخصه حاضرا، في صيغة "نوعٍ من البورتريه"، فذلك قد يعني حرصا شديدا منه على أن تكون الإضاءةُ التي يريدها على شخص بشارة أكثر اتّساعا، وأرحب، ومن كل الزوايا. 


ليست هناك المقادير الكافية من الجرأة في الصحافات العربية لكسر الثوابت الكلاسيكية في تحرير المواد الصحافية بكيفياتٍ نابهةٍ تخرج عن التقاليد الراسخة. مثيلُ ما يصنعُه الأميركي غولدنبرغ، وما سلكه الفرنسي بارت (وغيرهما) شحيحٌ عندنا، ومطبوعٌ بالحذر غالبا، وأكثرُه ليس متقنا. وإنْ صار هذا المزاج في إعداد المقابلات الصحافية يتّسع أخيرا، مع شيوع شعورٍ بضرورة حضور الصحافي أيضا في محاورته أي شخصية، غير أن الإمساك بمعادلةٍ توفّق بين الأمرين يحتاج إلى خبرةٍ ودربة. ولذلك، قد تقرأ في مواقع إلكترونية وصحف عربية مواد من هذا اللون، ولكن مع فنانين ومغنين وأدباء، أما مع أهل السياسة فالأريح للبال أن تنقل كلامه من دون أن تدسّ أنفك، لأنك قد لا تأمن ما قد يجري إذا "تفلسفتَ"، وفعلتَ كما يفعل صحافيون أميركيون وفرنسيون في إنجازهم تقاريرهم، متحرّرين من كل قيود، أيا كانت.
أما وأن النص الصحافي، الجذّاب، والذي صاغه بانجمين بارت بعد جلسة الساعات الخمس مع عزمي بشارة، ليس "بورتريه" تماما، فذلك لأنه اقتصر على جانبٍ محدّدٍ يتعلق بشخص المفكر المعروف، وإنْ حضرت إحالاتٌ إلى تفاصيل جانبيةٍ قليلةٍ، بينما تجنح مادة "البورتريه" إلى الإحاطة، ما أمكن، بتفاصيل أكثر وجوانب أغنى، وتأتي على ما قد يعدّ ثانويا وشخصيا. وهي تنشغلُ بتعريفٍ أوْفى بالشخص الذي تقدّمه، فتقترب من مزاجه، وملامحه النفسية، وسلوكه، ومواقف له في غير مرحلة، وتفيدُ من شهاداتٍ حيةٍ عنه، وذلك كله بتضفير المعلومات الأرشيفية السيرية في بناء المادة، بلغةٍ غير تقريرية، وإنما ببراعة كاتبٍ على درايةٍ بما يسمّى أحيانا "مكر السرد"، والذي يُتقن به الصحافي الكاتب انتقاءه المعلومات التي يبسُطها، واستعراضَه ما يُغني رسم لوحة البورتريه (أو البروفايل) للشخص. ولذلك، يلزم هنا كثيرٌ من تقنيات الأسلوب الشائق، من دون اعتناءٍ بتوفير سيرةٍ ذاتيةٍ، وإنما اكتراثٌ بزوايا نظرٍ تُعين في تظهير الشخصية، بل وتقريبها من القارئ، "بجعلها تحيا عن طريق الكلمات والحكي عنها، كما لو أننا نعيد رسم حدثٍ ما"، كما كتب أستاذٌ في كتاب له عن الكتابة الصحافية.
قليلٌ هذا الإتقان من "البورتريهات" في الصحافة العربية، وإنْ صاروا كثيرين من ينجزون مواد تنتسب إلى هذا النوع. ولولا الخشيةُ من القيل والقال، عن هوىً هنا وغرضٍ هناك، لأشرتُ إلى بضعة أسماء عربية، أربعة فقط، أبدعت في هذا.. أما بورتريه عزمي بشارة، فانكتبت نتفٌ منه، في غير موضع، لكنه لم ينكتب تماما، ولم يكتمل، بعد.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى براڤو دولة الرئيس … «عملتها»