أخبار عاجلة
عتب -
رسم حدود -
كم بلغ حجم التداول على “صيرفة”؟ -
بالفيديو ـ برشلونة: “عيد ميلاد سعيد ليو” -
بالفيديو: برشلونة يعايد ميسي -

التنوير الإسلامي والصراع الديني العلماني

التنوير الإسلامي والصراع الديني العلماني
التنوير الإسلامي والصراع الديني العلماني

إشترك في خدمة واتساب

في محاولة التأسيس الجديد لرحلة التنوير الإسلامي، وخصوصا في مقدمته الفلسفية، وجدتُ من المهم التعامل مع الموقف الصراعي، الحاد والشرس، بين المحافظين الإسلاميين والأيديولوجيين العلمانيين، ومن خلال هذه الحفريات، اكتشفت قاعدة اتفاق صلبة ومهمة جداً للغاية بين الفريقين.
وقبل أن أستطرد في المادة، أوضّح مسألة مهمة، في مفردات هذا المقال، ما هي علاقة التنوير الإسلامي بأفق الفكر الإسلامي، كنصوص شرعية قطعية، بميزان قطعية الثبوت والدلالة التي تنتهي إلى ما يُقدم كيقين في موقف المسلم من النص الشرعي، ثم موقف التنوير الإسلامي من التراث الذي يُقصد به اجتهاد العلماء، الشامل كل المدارس الإسلامية، في موقفها من شروح النص واجتهاداتها المتعدّدة.
"الأيديولوجيا العلمانية لم تستطع أن تؤسس شراكةً عربيةً وإنسانية ونهضوية مع التنوير الإسلامي"

وهل تعني مقولتي في العنوان، الصراع الديني، الدين الإسلامي المحض، أم الصراع باسم الدين، فالإسلام حقٌّ واحد، من دون أن يُفضي ذلك إلى تصور أحادي محدّد لزمنٍ وقالب اجتماعي، ومن دون أن يعني ذلك أنه ليس ديناً حيوياً واسع الأُطر الاجتهادية، من دون أن يتحوّل الى مادةٍ مشاعةٍ يُقّص منها، أو يُحذف ويُزاد، من دون فهم فلسفته ورسالته الوجودية والمدنية، فتبقى له رسالته الفارقة التي دونها لن يكون هناك نص ولا رسالة ولا أمة، ولا مفهوم يناقش في منتديات المناظرة والحوار، بل مصطلحٌ قابل للصناعة بحسب متطلبات الاستعمار أو الاستبداد، فهنا يتضح أن النص الشرعي هو قاعدة أساس، أما التفسير الديني المختلف من معتسّفٍ أو متشدّدٍ، أو محافظ، فهو ليس مقدساً، ومساحة التنوع واختلاف الاجتهادات واسع جداً، في تاريخ التشريع الإسلامي، دلالة لحيوية أصل النص، والمقصد الختامي للرحلة البشرية ما دامت قائمة في كوكب الأرض، فهذا الإرث، وإن نُزعت منه القداسة، أو دعاوى الإجماع التي طالما استُعديت ونُصَبت، وهي لم تكن إجماعاً الا ما ندر، وحررت مواطنه بوضوح، بخلاف مئات المسائل التي أدرجها بعض العلماء، في ظل صراعهم الجدلي المنضبط، أو النفسي المحتقن في ردودهم على بعضهم، أو ردودهم على الرؤية الفلسفية الإحيائية الإسلامية القديمة.
وكم هو الاعتساف الذي يتبيّن للمحقق، حين يتتبع ذلك القطع بالتضليل والهجوم على المخالف الذي يسعى فيه شيخٌ أو واعظ إلى إسقاط خصمه، أكثر من تحقيق مرضاة الله في فهم زاوية الخلاف الاجتهادي، وهل هو اختلافٌ مستحيلٌ عقلاً وشرعاً، أو خلافٌ استحال عند ذلك الشيخ بناءً على فهمه، وصناعته العلمية.
وهذا كله لا يُلغي أن التراث والاجتهادات الضخمة، في أفق الشريعة، هما أيضاً، من مراجع التنوير الإسلامي، فقد تجد في تراث عالم متشدّد ما يدهشك لوعيه وإصابته في مسائل أخرى، وقد تجد في إنسانيةٍ متقدمةٍ للتراث ما يُعتبر موقفاً رائداُ وفقهاً سامياً، في واقع التاريخ الإنساني، وقس على ذلك مفاهيم أو فتاوى تقوم على هذه الاستنتاجات المختلفة التي تردف الصناعة الاحيائية، لفكر النهضة والتنوير الإسلامي.
هنا تبرز للقارئ مساحة المشترك للتنويريين مع المحافظين، من دون أن يتفقا في مساحة كبرى من فقه الشريعة والدولة وحقوق الفرد، والإنسانيات الوجودية، ومع الاتفاق على أصولٍ كبرى، ومع قناعة التنوير الإسلامي، وأنه ليس من مهمته حمل الناس على رؤيته، ولا صرفهم عن الخطاب الروحي، وإن بقيت له بصمته الأخلاقية المختلفة، فماذا عن العلمانية باعتبارها فكرا، ولماذا فرّقناها عن العلمانية الأيديولوجية؟
لأن المادة هنا مادة تحرير علمي، والمادة هناك مادة صراع أيديولوجي مع الشريك الوطني العربي، في الأقطار المختلفة، أو في المهجر. وهنا دائماً يجب أن ننتبه إلى الفكر الذي تنتجه الحفريات الثقافية العميقة، المستقرّة نفسيا، وإلى الفكر الذي يحتشد عند حلبات الصراع، فالفارق كبير جدا.
ولذلك، المادة الفكرية المحرّرة في رواق العلمانية مهمة جداً، للتنوير الإسلامي، يَدرسها ويفهمها، ويتداول الرأي حولها، ويستقطب قواعدها ومنتجاتها الإنسانية والحقوقية ودورانها حول العدالة الاجتماعية، ولا يجد في ذلك ضرراً، فمساحة الاجتهاد في تنظيم حياة الفرد
"قد تجد في تراث عالم متشدّد ما يدهشك لوعيه وإصابته في مسائل أخرى، وقد تجد في إنسانيةٍ متقدمةٍ للتراث ما يُعتبر موقفاً رائداُ وفقهاً سامياً"
والدولة، والفرد والمجتمع، يخضع لمعايير تطور إنساني، تُسقط على الفرد المسلم كغيره.
وتبقى هناك مسارات بل توجيهات إسلامية للروح وعلاقة الفرد مع المحيط الاجتماعي والدستور، لا تُنتجها العلمانية، مع كل شريكٍ عائليٍّ أو إنسانيٍّ، يقوم على تضامن الأرحام، وليس القطيعة والصراع، خصوصا في ظل صعود نموذج الفردانية، وإسقاط فطرة الود العائلي الإنسانية في النزعة الغربية، فإشكال المصطلح حول العلمانية تم تجاوزه في مدرسة التنوير الإسلامي، باختلاف مساراتها، بالمفهوم الموجود نفسه أصلاً في فقه الشريعة، فالمصطلح لا يُحرّم ولا يُحلل، فضلاً عن أن يكفّر أو يُضلل بالجملة، كما درجت على ذلك مدارس محافظة متشددة، فأخذت موقفا عاماً من كل ما يندرج تحت المصطلح بمادته وشخوص مفكريه وباحثيه، قبل أن تفهم ما هي دلالة اجتهاداتهم، وهل يلزم من ذلك مصادمتها للشريعة، أم موافقتها، أم التعديل عليها، أو أن ذلك التقنين العلماني في ظل رحلة الأقطار والظروف المختلفة والمصلحة المرسلة فيها، له تقديره الاجتهادي الخاص.
هذا في مساحة الفكر العلماني الواسع، فأين المشكلة إذن؟ المشكلة في النزعة الصراعية للأيديولوجيا العلمانية، والتي لم تستطع أن تؤسس شراكةً عربيةً وإنسانية ونهضوية مع التنوير الإسلامي فتعبر من مرحلة الحفريات الفكرية إلى ناتج إنساني للشعب العربي، ونهضته الفكرية، تغطي كل اتجاهاته، وهيمنت على هذا التيار الأيديولوجي مشكلة رفضه أي اعتراف، بشراكة الفكر الإسلامي التنويري، لصناعة الميثاق القيمي، خشية من أن يكون ذلك إقراراً للحاجة للمرجعية الدستورية والأخلاقية للإسلام في مدونات الفكر العربي المعاصر.
وسنعرض في قادم المقالات قاعدة الاتفاق المهم فهمها التي أشرنا لها، وساهمت في أزمة العقل العربي المعاصر، بين الأيديولوجيا الصراعية العلمانية والأيديولوجيا الصراعية الإسلامية التي يقف منها التنوير الإسلامي موقفا مغايراً.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى إما التسليم لحزب الله أو تنسيق المستقلّين والمعارضين والتغييريين