أخبار عاجلة
أبيض: ‏أمام مأزق كبير إذا لم تُعقد الجلسة غداً -
تعرف على آثار التوتر والصحة النفسية السيئة على الشعر -
تعرف على فوائد تناول الزبادى للأطفال الصغار -

أبعد من بنك البركة: مصرف لبنان يغطّي تهريب الأصول

أبعد من بنك البركة: مصرف لبنان يغطّي تهريب الأصول
أبعد من بنك البركة: مصرف لبنان يغطّي تهريب الأصول

إشترك في خدمة واتساب

كتب عباده اللدن...

حين اندلعت أزمة البنوك في 2019، كان المودعون في بنك البركة آخر من يجب أن يقلق على أمواله. فالبنك لم يكن مقرِضاً للدولة اللبنانية بدولار واحد أو حتّى بليرة، وكانت توظيفاته لدى مصرف محدودة جدّاً، وكان ينام على قاعدة من الأصول الممتازة الكافية لتغطية الودائع أو معظمها.

فماذا جرى داخل الجدران ليتحوّل إلى أوّل البنوك المهدَّدة بالتصفية؟

لدى مُلّاك البنك روايتهم لواقعه الحالي: يقولون إنّ لديه ودائع للعملاء بقيمة تقارب 380 مليون دولار لا أكثر. وفي المقابل، لدى البنك 200 مليون دولار في حسابٍ جارٍ لدى مصرف لبنان، عدا المرابحات مع المصرف المركزي التي تزيد قيمتها على 130 مليون دولار. وهذا يعني أنّ الحساب الجاري وحده يغطّي أكثر من 80% من أموال المودعين. ولذلك تكمن الأزمة كلّها في تعثّر مصرف لبنان وامتناعه عن سداد ما عليه من مطلوبات.
هذا جانب من القصّة، وأمّا الجانب الآخر فهو ما حدث داخل البنك من قرارات وتجاوزات ساهمت في تدهور ميزانيّته.

الأكيد أنّ بنك البركة في لبنان كان من أفضل البنوك حالاً في بداية الأزمة، ففي مقابل ودائعه القليلة (لم تكن تتجاوز 416 مليون دولار في نهاية 2018)، كانت لديه قاعدة لا بأس بها من الأصول كافية لتغطية الودائع، أو نسبة كبيرة جدّاً منها:

- كانت توظيفاته لدى مصرف لبنان في مطلع 2019 لا تزيد على 40 مليون دولار (بالعملة الصعبة)، بالإضافة إلى نحو 25 ألف مليار ليرة بالعملة المحلّية، أي لم تكن تزيد على 14% من الودائع.

- لم يكن لدى البنك قرش واحد مستثمَر في سندات الخزينة اللبنانية أو اليوروبوندز.

- كانت لديه محفظة تمويلات بنحو 160 مليون دولار، لكنّها كانت مدعومة بضمانات كافية.

- كانت لديه محفظة استثمارات بنحو 84 مليون دولار، سيأتي الحديث إلى تفاصيلها.

تهريب أصول

القصّة المثيرة للاهتمام هي في الأصول العقارية لدى البنك، ومن ضمنها مشروع "فرتيني" السكني الفاخر في فردان، الذي تمّ تخمين قيمة شققه غير المبيعة في 2018 بنحو 23 مليون دولار، يضاف إليها المبنى الذي يضمّ الإدارة العامّة في الصنائع وفروعه التسعة، ومن بينها المقفلة، التي قُدّرت قيمتها في ميزانيّة 2018 بنحو 20 مليون دولار. إلى ذلك آلت إلى البنك عقارات استدخلها من عملائه كضمانات لتمويلات غير مسدَّدة.

خلال الأولى من الأزمة باع البنك كلّ الشقق الباقية له في مشروع "فرتيني"، وعددها 19، بقيمة غير معلومة. وهناك من يرسم علامات استفهام حول علاقة المشترين بالبنك والأسعار التي اشتروا بها، خصوصاً أنّ ثمن بعضها تمّ سداده بشيكات بالليرة اللبنانية.

بعدئذٍ طرأ خلاف مع لجنة الرقابة على المصارف حين عُرضت عليه صفقة لبيع بعض طبقات مبنى البنك للجهة المالكة للبنك.

المشكلة أنّ هذه التعاملات سليمة في شكلها القانوني، لكنّها مخالفة لقواعد الحوكمة والمبادئ الأخلاقية، إذ إنّها تتيح لفئة محظيّة من المودعين والمساهمين الاستئثار بالأصول الجيّدة، ولا يبقى للمودعين الآخرين سوى التوظيفات الرديئة لدى مصرف لبنان.

تتكرّر هذه الحالة في كلّ البنوك، فكلّ الأصول العقارية الجيّدة التي كانت تحت يد البنوك ذهبت إلى المحظوظين مقابل شيكات. وهكذا تتحوّل وديعة المحظيّين إلى أصل عقاري جيّد، فيما تبقى ودائع المغضوب عليهم باللولار العديم القيمة.

حين يُسأل المسؤولون الرقابيّون عن الأمر يجيبون بأنّ البنوك ليست متعثّرة بحكم القانون، وبالتالي ليس هناك ما يمنع إدارات البنوك من بيع العقارات مقابل شيكات لمن تشاء من المودعين، وليس هناك ما يوجب توزيع الأصول الباقية لديها بالتساوي بين الدائنين (pro rata).

تغطية نهب الأصول

هذا الجواب هو أصل المشكلة. فالبنوك مفلسة تقنيّاً بعلم الجميع، لكنّ الجهات الرقابية تسمح لها بالتغطية على ذلك بأسوأ الممارسات المحاسبيّة، لتبقى يد الإدارات مطلقة في التصرّف بالأصول وتهريبها. ولو أنّ لجنة الرقابة على المصارف تعاملت معها كبنوك متعثّرة لوجب عليها وضع اليد على الأصول، وحمايتها من التصرّف الاستنسابي. لكنّ هناك من يريد ترك الحبل على الغارب ليضرب مَن يضرب ويهرب مَن يهرب.

في بنك البركة حالة خاصّة إضافية تتمثّل في أنّه البنك الوحيد الذي يرفض علناً منذ منتصف العام الماضي تطبيق تعميم مصرف لبنان رقم 158، الذي يتيح لصاحب كلّ حساب الحصول على 400 دولار شهرياً، ومثلها بالعملة اللبنانية على سعر صرف يعادل 12 ألف ليرة للدولار. وكانت الحجّة التي واجه بها البنك المودعين أنّ مصرف لبنان "لا يعطينا ودائعنا، فكيف نعطي الودائع لعملائنا؟".

هذه الحجّة تردّ عليها مصادر رقابية بأنّ مصرف لبنان سمح للمصارف بالحصول على السيولة لتنفيذ التعميم من خلال استعمال السيولة الخارجية المتوافرة لديها ضمن نسبة الثلاثة في المئة التي أُلزمت البنوك بتكوينها في بداية الأزمة. لكنّ مشكلة البنك الحقيقية تكمن في تخلّي المجموعة الأمّ عنه، وسعيها إلى تخليص بعض الأصول العقارية من خلال صفقات شراء مشكوك في تخمينها.

حجّة المجموعة الأمّ أنّ مصرف لبنان يحتجز وديعة لها بخمسة ملايين دولار، تمّ تحويلها في الأشهر الأولى من الأزمة، ولذلك برّرت لنفسها شراء طبقات في الفرع الرئيسي وأصول أخرى بهذه القيمة.

استغرق الأمر كثيراً من الأخذ والردّ، وأتت إلى لبنان وفود من المجموعة الأمّ في البحرين، وأسمعت مصرف لبنان كلاماً كثيراً عن وجوب حماية الاستثمارات الأجنبية في القطاع المصرفي، ورفض ضخّ سيولة جديدة ما لم يحرّر مصرف لبنان الأموال العالقة لديه.

 

خلاصتان

في خلاصة أزمة بنك البركة قضيّتان في غاية الأهميّة تهمّان كلّ أصحاب الودائع في البنوك اللبنانية:

1- أنّ مصرف لبنان يتعامل صراحةً مع المطلوبات عليه تجاه البنوك على أنّها لم تعد بقيمتها الدولارية الحقيقية، بل باللولار. وهذا ما يقوله عمليّاً لبنك البركة. وهذا ينعكس بشكل مباشر على الودائع وقيمتها. فهو لا يعترف عمليّاً بما عليه من مطلوبات للبنوك بالقيمة التي هي مسجّلة بها بالدولار. ولذا كلّ ما يُقال عن الالتزام بإعادة مئة ألف دولار لكلّ مودع كذبة سمجة يسلّون بها الناس، لأنّ دولار ما قبل 17 تشرين الأول 2019 لم يعد له وجود في قاموس مصرف لبنان، لا في الودائع ولا في توظيفات البنوك لديه.

2- تبيّن من قضيّة بنك البركة عدم وجود أيّ إطار قانوني لحماية موجودات البنوك من التصرّف الاستنسابي لصالح المساهمين أو المودعين المحظيّين. إذ إنّ القوانين وأنظمة مصرف لبنان تسمح لإدارات البنوك بتهريب الأصول والعقارات كما تشاء.

يبقى أن ينبري أحد من النواب التغييريّين أو سواهم لتقديم اقتراح قانون معجّل مكرّر لحماية أصول البنوك من التصرّف الاستنسابي، ووضع آليّة شفّافة للتصرّف بالأصول. والاقتراح العملي لذلك عرض أيّ عقار يريد البنك تسييله ضمن مزايدة محصورة بالمودعين، بدلاً من أن يذهب إلى أحد المودعين بفضل علاقاته الخاصة، وبسعر لا أحد يستطيع الجزم إن كان عادلاً أم لا.

هذا التشريع أكثر أهميّة بكثير من قانون "الكابيتال كونترول" الذي فات أوانه.

 

الخلاصة الغرائبيّة

في الخلاصة يبدو المشهد سورياليّاً: مصرف مركزي متعثّر يحتجز أموال بنك تابع لرقابته من دون أيّ مسوّغ قانوني، ثمّ يصدر قرارٌ رقابيٌّ من الهيئة المصرفية العليا بكفّ يد إدارة البنك وتعيين مدير مؤقّت، موقّعاً باسم رئيس الهيئة المصرفية الذي هو في الوقت نفسه حاكم المصرف المركزي نفسه المتعثّر والممتنع عن السداد: رياض سلامة هو الخصم والحَكَم!

الأغرب أنّ الهيئة المصرفية العليا بدأت بأهون المشاكل في القطاع المصرفي، فيما القطاع المصرفي كلّه غارق حتى أذنيه في الوسخ المحاسبيّ الذي يرعاه مصرف لبنان. ولو أنّها طبّقت معياراً واحداً من معايير المحاسبة الدولية IFRS أو معايير "بازل 3" لأفلست كلّ البنوك "الزومبي" السبعين العاملة في البلاد. وهذا ما يُقرّ به مصرف لبنان علناً، ويبرّره بالظروف الاستثنائية (التي تسمح بالتزوير والغشّ!).

يتحدّث مصرف لبنان عن معايير للرسملة والسيولة فيما يسمح للبنوك "الزومبي" بتقويم موجوداتها على سعر صرف لا يساوي سوى 4% من قيمته الحقيقية، ويسمح للبنوك أن لا تحفظ مؤونات (مخصّصات) لانخفاض قيمة توظيفاتها لدى مصرف لبنان، المفلس تقنيّاً والمتخلّف عن السداد.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بروفيل شخصي: «سعد» «السعديات»!