أخبار عاجلة
مقتل فلسطيني بنيران إسرائيلية في الضفة الغربية -
قديروف: على موسكو استخدام النووي! -

لوم الضحية بعد مجزرة غزّة

لوم الضحية بعد مجزرة غزّة
لوم الضحية بعد مجزرة غزّة

إشترك في خدمة واتساب

كان اليوم التالي لمجزرة غزّة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي مثل اليوم الذي سبقه، لا أحد يأبه، ولن يأبه أحدٌ، في حين يستمر إلقاء اللوم على الضحية، فاقدة الأمل بحلٍّ لشتاتها وبؤس عيشها. كان الناس مشدودين إلى الأبّهة التي صاحبت افتتاح مقر السفارة الأميركية الجديد، في القدس المحتلة، بينما في قطاع غزّة وعلى الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، كان أناس يحاولون أن يُوصِلوا رسالةً، تحمل مضموناً واحداً، وهو أنهم بشرٌ، حرمهم الإسرائيليون والمجتمع الدولي من أرضهم، وهم يتحرّكون الآن من خلال مسيرات العودة الكبرى، لكي يراهم العالم بشراً، وحسب، وهو ما يتجاهله هذا العالم، فما بالك بالاعتراف بحقوقهم. ويبقى اللاجئون الفلسطينيون عالقين في اللا شيء، لم ينفع لمأساتهم حلٌّ سلمي، ولا كفاح مسلح، أو حراك مدني.
ولمأساة أبناء الشعب الفلسطيني وجهان، وجهُ المأساة التي عاشها أهلهم، حين أجبرتهم العصابات الصهيونية على النزوح عن أرضهم، فتوارثَ المأساةَ الأبناءُ والأحفادُ من بعدهم، حين وجدوا أنه لا واقع يغنيهم عما ألِف أجدادهم في أرضهم، ولا أمل في عودة الصغار الذين "لم ينسوا". وكان هذا التذكّر دافعهم إلى ابتداع مسيرات العودة الكبرى إلى الأرض التي احتُلَّت سنة 1948، وتلك مشكلةٌ للمحتل الإسرائيلي الذي أغضبته ذاكرتهم، فأغدق بالرصاص الحي على أدمغتهم، قبل أجسادهم. لكن ذلك لن يمنعهم من أن يتطلعوا إلى الأرض الضائعة 
"ما زال مستقبل القضية الفلسطينية يشبه ماضيها إلى أبعد الحدود"
خلف السياج، ينظرون إليها وعلى أكتافهم ثقل الحنين والشوق إلى أرضٍ يعرفون أنها قد تعود لهم ويعودون إليها، وقد لا يفعلون، فيستمر دمهم بالغليان في عروقهم، والانسفاح على الرمال.
ليس هذا الواقع سوى معضلةٍ، يعيشها الطرفان، الفلسطيني والإسرائيلي. الإسرائيلي الذي تورَّط في العيش على أرضٍ سلبها من أهلها، وعاش طوال حياته سعادة الوهم المعوِّل على نِسيان الفلسطينيين حقوقهم وأسباب مأساتهم. ومعضلة يعيشها هؤلاء الذين لم ينسوا، وتُظهر محاولات عودتهم أنهم لن ينسون، على الرغم من أنهم عدموا أي طريقةٍ للعودة إلى أرضهم، وهم الذين لم يوفروا وسيلةً إلا واستخدموها في هذا المسعى، حتى أنهم وصلوا، ووصل كل من يتعاطف معهم، إلى مرحلة العدم أمام تعذُّر الحل. ولا بدَّ أن المجزرة التي ارتكبها جنود الاحتلال الإسرائيلي، في 14 مايو/ أيار الجاري، بحق المتظاهرين المشاركين في مسيرة العودة على حدود قطاع غزّة مع الأراضي المحتلة، والتي وقع فيها، ضحية رصاصهم الحي وقنابلهم، 62 شهيداً فلسطينياً ونحو ألفي جريحٍ، لا بدَّ أنها تعميق لحالة خلو أياديهم من أي وسيلةٍ بديلةٍ عن هذا العدم.
توضح وقائع المجزرة أن المحتلين الإسرائيليين ماضون في مواجهة حلم العودة بالعنف الذي مارسوه، وأدى إلى هذه المجزرة، لأن هذا الحلم هو ما يقلقهم أكثر من أي سلاحٍ أو قرارٍ دوليٍّ. وتشير ردود أفعالهم الوحشية، وإلقاء لومهم على الفلسطينيين إلى أنهم سيعيدون الكرَّة، متسلِّحين بروايةٍ تدعو إلى السخرية، ومع ذلك أصبحت بروباغاندا تنتشر شيئاً فشيئاً على نطاقٍ واسعٍ في صحف الغرب وقنواته التلفزيونية، وتفيد بأن الفلسطينيين يتحملون المسؤولية عن المجزرة، لأنهم اقتربوا من الحدود حتى وصلوا إلى مرمى بنادق الجنود المحتلين. وفي هذا السياق، تتهم قناة NBC التلفزيونية حركة حماس بأنها: "تقود عملية إرهابية تحت ستار المظاهرات الجماهرية". ويُكتب في صحيفة نيويورك تايمز "يضعف الغزِّيون قضيَّتهم حين يلجأون إلى العنف، بدلاً من الحفاظ على سلمية احتجاجاتهم". وكذلك فعلت صحيفة واشنطن بوست، حين وصفت ضحايا الرصاص الإسرائيلي بأنهم "مدنيون بالاسم"، متناسيةً الأطفال والنساء الذين سقطوا. ولا شيء يمنع هذه الوسائل الإعلامية من ترداد مقولة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، البائسة التي اتهم فيها الفلسطينيين، في اليوم التالي للمجزرة، بأنهم "يركضون أمام رصاصات الجنود الإسرائيليين لكي تصيبهم، وبالتالي يجعلون الجنود يظهرون بمظهر الأشرار". وأضاف، وكأنه يسخر من المراسلين الذين كانوا يستمعون إليه، ومن المجتمع الدولي الذي سيسمعه: "كان يمكن لهؤلاء الناس أن يتجنبوا آلاف الرصاصات عالية السرعة التي كانت تطلق باتجاههم بشكل عشوائي، لكن ظهر أنهم لا يريدون ذلك".
خلال السنوات السبعين من عمر النكبة، ما زال مستقبل القضية الفلسطينية يشبه ماضيها إلى أبعد الحدود. وتخرج قضية الحل من بين أيادي الفلسطينيين، بالنظر إلى كل الأساليب، 
"يبقى اللاجئون الفلسطينيون عالقين في اللا شيء، لم ينفع لمأساتهم حلٌّ سلمي، ولا كفاح مسلح، أو حراك مدني"
العسكرية والسلمية التي اتبعوها في سبيل الوصول إلى الحل، لكن من دون نتيجة تذكر. والواضح أن تشابه النظام الإسرائيلي مع نظام الفصل العنصري البائد في جنوب أفريقيا يتطلب تطبيق الإجراءات العقابية نفسها التي طبَّقها المجتمع الدولي على جنوب أفريقيا على إسرائيل، لتمتثل للقرارات الدولية وتستجيب للمطالب الفلسطينية. ولكن، مع رعاية الولايات المتحدة جميع حروب الكيان الإسرائيلي، ودفاعها عنه في المحافل الدولية، وتخليصه من كل محاولات فرض عقوبات عليه، من المستحيل أن تنفع إجراءاتٌ من قَبيْل العقوبات الاقتصادية والمقاطعة واعتقال مجرمي الحرب الإسرائيليين لدى سفرهم، إلا إذا كانت على نطاقٍ واسعٍ، والتزمت بها أغلب الدول.
ولكن مع هرولة أنظمة عربية، وأخرى إسلامية، للتطبيع مع المحتلين الإسرائيليين، يصبح الأمل بهذه الإجراءات من ضروب العبث. إذ كيف يمكن التَّعويل على دولٍ من خارج المنظومة العربية والإسلامية لإنجاح هذه الإجراءات، في وقت تعمل فيه دولٌ داخل المنظومات المذكورة إلى زيادة تعاونها مع العدو وإدخاله إلى داخل البيت العربي، صديقاً وديعاً؟ هذا الواقع، وانعدام الأمل، هما ما دفعا اللاجئين الفلسطينيين في غزّة إلى الخروج بمسيرات العودة، وهي مسيراتٌ محفوفةٌ بالقتل الإسرائيلي الوافر، ما يجب أن يدفع الفلسطينيين إلى ابتداع أساليب أخرى، تتطلب أثماناً أقل، ويخرج منها نبتٌ أكثر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رئيسان فائضان على الطريق