أخبار عاجلة
لافروف: روسيا تمر بمرحلة مصيرية في تاريخها -
وفيات وجرحى بحريق في مطعم شمال شرق الصين -

نطاق هامش الإرهاب حسب المؤشر العربي

نطاق هامش الإرهاب حسب المؤشر العربي
نطاق هامش الإرهاب حسب المؤشر العربي

إشترك في خدمة واتساب

هذه هي المطالعة السادسة أو السابعة، على التوالي، التي قرأت فيها نخبة من كتّاب "العربي الجديد" بيانات "المؤشر العربي" الصادرة، في التاسع من شهر مايو/ أيار الجاري، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بشأن اتجاهات الرأي العام في أحد عشر بلداً عربياً، إزاء مجموعة من الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إضافة إلى قضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان، ناهيك عن مسائل المشاركة السياسية، وتقييم سياسات وقوى إقليمية ودولية نحو هذه المنطقة التي ظلت تشغل مركز اهتمام العالم منذ ما قبل اكتشاف النفط وقيام إسرائيل، وتستقطب قسطاً من هموم مراكز البحث ودوائر الاستخبارات وغرف صناعة القرار، والأكاديميين والمستشرقين، على نحوٍ أكثر مما شغل بال أبنائها الحقيقيين.
وحسناً أن كل واحد من الزملاء قد أخذ مقطعاً محدّداً من هذا الاستطلاع الذي يشكل منجماً معرفياً نادراً للدارسين وأصحاب الاختصاص والمسؤولين في العالم العربي، ممن يعنيهم الوقوف على اتجاهات الرأي العام في بلدانهم، كما هي بالفعل، ولا يكتفون بالتقارير السرية المكتومة عن سريرة شعوبهم، لا سيما وأن النسخة السادسة من هذا الاستطلاع، وهو الأضخم والأوسع من حيث حجم العينة، ومن حيث تنوع المحاور، وعدد البلدان، قد اعتمدت نتائجها على مقابلات شخصية وجاهية، وشملت نحو 18,8 ألف مستجيب ومستجيبة، جرت حديثاً في الأشهر القليلة الماضية، قطع فيها 865 باحثاً نحو 700 ألف كيلو متر على امتداد الخريطة العربية، للوصول إلى أفراد العينة، وصرفوا فيه نحو 43,3 ألف ساعة عمل، من أجل تقديم أفضل صورة ممكنة عما يدور في خلد المواطن العربي، ويشغل باله في هذه الآونة.
ولعل اختيار الزملاء، كل حسب أفضلياته، مقاطع مختلفة من هذا المسح الواسع للرأي العام
"معتنقو الأفكار المتطرفة عادة ما يكونون قلة قليلة، لكنها ذات خاصية شديدة الفاعلية"
 العربي، هو الوسيلة العملية المثلى المتاحة، لتسليط الضوء، ما أمكن، على جوانب وموضوعات عديدة تضمنها هذا المسح الذي اشتمل على حزمةٍ كبيرةٍ من عناوين محل اهتماماتٍ عربية مشتركة، تستحق كل قضية منها تخصيص مطالعة أو أكثر، لتمحيص البيانات، وإعادة قراءة المعطيات، ومن ثمّة تلخيص الاستنتاجات، على نحوٍ يتيح للمتلقين فهم اتجاهات الرأي العام إزاء كل مسألة بعينها، تماماً على نحو ما قام به زملاء نابهون في "العربي الجديد" ، ممن أفرد بعضهم مقالاً عن نتائج الاستطلاع المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وبعضهم الآخر عن النتائج المتصلة بتونس أو الأردن، فيما تناول بعض ثالث ما توصل إليه المسح من استنتاجاتٍ متعلقة بقضايا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان أو غيرهما.
وعليه، ستركز هذه المطالعة على هامش الإرهاب، وفق ما بدت عليه نتائج الاستطلاع الذي خصص جانباً من مسحه الشامل لهذه المسألة المثيرة لشتى التقديرات القائمة على تقديراتٍ جزافيةٍ، وانطباعاتٍ جزئيةٍ متفرقة، وغير علمية، إلى أن جاء المركز العربي بأول جهد بحثي من نوعه في هذا المجال، فقدّم ما يمكن اعتباره تشخيصاً إحصائياً غير مسبوق، لاتجاهات الرأي العام العربي السائدة في هذه الآونة، اللاحقة على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية والعراق، وما رافق هذه الهزيمة، ولحق بها من مضاعفاتٍ كارثيةٍ، زلزلت البنية الاجتماعية في أهم بلدين عربيين واقعين شرق البحر المتوسط، وأرخت بظلالها السلبية الكئيبة، في الوقت ذاته، على مجمل الواقع القائم في المنطقة العربية بأسرها، هذه الظلال التي أحسب أنها قد عكست نفسها على آراء المستجيبين، وحملت بعضهم على الانفضاض أكثر فأكثر عن الفكرة التي عادت بأوخم العواقب على العالم العربي بأسره.
إذ بحسب ما توصل إليه هذا الاستطلاع القائم على مقابلات شخصية، أجريت في الميدان مع عينةٍ إحصائية تمثيلية، شملت عدداً يقدر بنحو 19 ألف مستجيب من البلدان التي ينتمون إليها، فقد عبر نحو 85% منهم عن رأي سلبي إزاء تنظيم الدولة الإسلامية، التنظيم المعبّر عن أشد مظاهر الفكر الإرهابي تطرفاً على الإطلاق، وهي نتيجةٌ لا تدعو إلى الاطمئنان كما أعتقد، خصوصاً إذا علمنا أن النسبة المتبقية (15%) توزع أصحابها إزاء هذا التنظيم بين من لديه رأي سلبي إلى حد ما (7%)، ومن لديه رأي إيجابي إلى حد ما (3%)، وبين من لديه رأي إيجابي جداً (2%)، فيما امتنع 3% من المستطلعين، أو رفضوا الإجابة على هذا السؤال الذي ربما اعتقد بعضهم أنه قد يثير له المتاعب، أو يجلب له سوء الظن، ويفتح عليه أبواباً ينبغي عدم فتحها أبداً.
إذا ما حوّلنا هذه النسب المتواضعة إلى أرقام مطلقة، سوف نجد أنفسنا أمام شريحة سكانية يقدّر عدد أفرادها بالملايين، وفي ذلك ما يدعو إلى الخوف، حتى لا نقول إنه يدعو إلى الذعر، لا سيما وأن معتنقي الأفكار المتطرّفة عادة ما يكونون قلة قليلة، لكنها ذات خاصية شديدة الفاعلية، تتقن فنون التقية، وتعرف أساليب الكمون أو البيات الشتوي الطويل، إلى أن تحين اللحظة الزمنية الملائمة، لتعاود الانبعاث من تحت الرماد الساخن، كجمراتٍ تتّقد مع أول هبة ريح
"القضاء على الإرهاب يتطلب اعتماد الدول والمجتمعات حزمةً متكاملة من الإجراءات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية"
 مواتية، فما بالك ونحن نتحدث هنا عن ملايين من الناس، لا يزالون مؤمنين بوجاهة معتقداتهم، وصواب خياراتهم، ومستعدين للكرّة من جديد، بعد أن تماهوا مع البيئة الاجتماعية المغلقة من حولهم، واستفادوا كثيراً من أخطاء تجربتهم الفاشلة، وفي مقدمتها خطأ السيطرة المكانية، وفوق ذلك، خزّنوا الأسلحة والذخائر، وصاروا أشد مراساً مما كانوا عليه في أي وقت مضى.
ولا يحتاج الأمر إلى إعمال الذهن كثيراً، للوقوف على معطيات الصورة الكلية الراهنة في هذا النطاق، فقد تولت نتائج الاستطلاع الوافي الشافي توضيح بواعث القلق الذي لا يزال يستمد مقوماته من العوامل التي دفعت، وقد تدفع، أفراداً إلى الانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية حيث يعتقد 42% من أفراد العينة الإحصائية أن هذه العوامل مردّها سوء الأوضاع الاقتصادية (فقر وبطالة)، وأن 18% منهم يعتقدون أن للدعاية وغسل الأدمغة الأثر الحاسم في انضمام الأفراد إلى التنظيم المتطرّف، فيما ترى البقية الباقية، وهي حوالى 50%، أن العوامل السياسية (القمع والدكتاتورية)، فضلاً عن العوامل الاجتماعية (تهميش وعدم مساواة) تضافرت معاً لتكوين أهم عناصر قوة تنظيم الدولة بين مؤيديه، فيما قال نحو ثلث المستطلعين إن الدين من أهم العوامل التي تشكل قوة التنظيم.
يبقى أن سبل القضاء على الإرهاب، وفق ما عكسته آراء العينة الإحصائية الكبيرة، تتطلب اعتماد الدول والمجتمعات حزمةً متكاملة من الإجراءات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية. وفيما انحازت أغلبية المستطلعين إلى المعالجات السياسية المتنوعة، خياراً مفضلاً لمواجهة المتورّطين بهذه الظاهرة، وتلافي عودتهم إلى قلب المشهد من جديد، لم يرَ سوى 18% منهم أن الجهد العسكري هو الجواب الأمثل على السؤال المتعلق بكيفية القضاء على الإرهاب، ومنع انتشاره مرة أخرى، الأمر الذي يميط اللثام عن قراءة صائبة، ورؤية مجتمعية ثاقبة، كثيراً ما كانت تعبر عن نفسها بجلاء شديد، من خلال مساهماتٍ رصينة، ومقارباتٍ نظريةٍ صحيحة، واظب على التبشير بها مفكرون وعلماء اجتماع ومثقفون عرب جادّون، وهي مقارباتٌ قلما التفتت إليها الأنظمة السلطوية، أو حفلت بها دوائر معنية لا ترى أبعد من أنفها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بعد البنزين: المازوت قليل...وخوفٌ من الشتاء وتقنين الكهرباء