تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

عن ميا خليفة ودعم لبنان

عن ميا خليفة ودعم لبنان
عن ميا خليفة ودعم لبنان

إشترك في خدمة واتساب

كتب صهيب أيوب...

السؤال الذي يجول في رأسهم: كيف لامرأة تجعل جسمها عرضة للذة المشتهاة ولفانتازمات مستفيضة أن تدعم القضية – الأخلاق؟

لا يمكن حصر وجوه ميا خليفة في جنسانيتها، أي كمؤدية أفلام وشرائط جنسية، وسلعة بصرية تستخدم من أجل الاستمناء. وحصر ممثلة البورنو السابقة في هذا السياق، يعد اقصاء لها كامرأة، وازدراءً موصوفاً لدورها، في تضييقه وسجنه ضمن مفهوم ذكوري متضخم وعنيف.

 

ومناسبة الكلام هذا، مبادرة خليفة التي تعد واحدة من أهم المبادرات الفردية إلى الآن لدعم منكوبي بعيد المجزرة الموصوفة. إذ استطاعت خليفة من خلال منصاتها على السوشيل ميديا جمع تبرعات بقيمة تصل إلى 200 ألف دولار أميركي، وهدفها الوصول إلى قيمة مليون دولار أميركي في الأسابيع المقبلة، ستحول على ما تؤكد عبر منشوراتها إلى الصليب الأحمر اللبناني، والذي وفق خليفة، يتابع الحساب المشغل للدفع عبر تطبيق “ebay”، ويدقق في حساباته.

 

ومنذ قيام خليفة بهذه المبادرة التي تساهم، في دعم فئات طاولتها الأضرار، وكم التعليقات الذكورية والسامة تتفاقم، إن من خلال حساباتها أو عبر حسابات آخرين ومن دول عربية متعددة.

 

تظهر هذه التعليقات قدرة شرائح تقليدية واسعة في المجتمع العربي واللبناني على حد سواء، في تقزيم مبادرات نساء والتعاطي معهن من مفاهيم ماضوية، موغلة في الذكورة والعنف والتنمر. وهي أيضاً تظهر بجانب منها، التأثير الكبير الذي يمكن أن يؤديه الجنس في تعاطي هذه المجتمعات مع أي قضية. وربما لو قامت بهذه الخطوة (اي التبرع) مطربة أو فنانة تشكيلية أو إعلامية من اللواتي يتماهين مع الأنظمة والسلطات المستبدة، لما تم تعريضها لما تتعرض له خليفة، بهذا الشكل العارم من المواجهة والنقد والتحطيم.

    هذه المنظومة ترى في خليفة آلة لاستقبال متعهم بها. وهي إذ فكرت أن تتعاطى مع أي شأن، يرمى عليها العنف شديداً. كأنها لا تملك شيئاً سوى جنسانيتها، والتصرف معها على هذا الأساس غير قابل للنقاش، سوى من خلال أحكامهم ورؤاهم التي تحاكي القضيب لا شيء سواه.

والمضحك في الأمر، أن يقوم مشغلو حسابات مواقع التواصل الاجتماعي التابعة لرئيس جمهورية لبنان العاجز في هذه الأزمة عن تقديم أي حل ولو طارئ، والذي لا يستمع إلى أصوات المنادين باستقالته ولا يعير انتباهاً لشكاوى المواطنين منذ بداية عهده، بحظر متابعة خليفة وكأن به (أي الرئيس) يجد في سلطته الافتراضية عبر حساب “تويتر”، قوة فائضة. فحظر خليفة، اللبنانية الأصل، والتي تحاول أن تساهم في دعم منكوبي بلدها الأم ومساعدتهم على قدر ما تستطيع من تأثير، حصل لأسباب كثيرة، ليست أولها أبوية عون المزعومة والتي تنحو منحى فوقياً، في تعاطيها مع انتقادات خليفة لأداء رئيس لبنان باعتبار أن هذه الشابة “تافهة” ولا تستحق الرد عليها سوى بالحظر، او الإلغاء أو المحو. تماماً كما هي عادة الذكور في إسكات المرأة عبر قتلها معنوياً ونفسياً وتصفيتها جسدياً لو أتيحت الفرص، أو بتجاهلها والتبرم من كلامها. كأن المرأة من خلفية مماثلة لميا خليفة لا يحق لها الاعتراض على أفعال الرجل، سياسياً كان أو فناناً أو نخبوياً أو مثقفاً.

 

ثانياً، هناك الحريصون على صورة ، الذين قبلوا أن يترك الرئيس كل ما يحصل في البلد والتوجه إلى حساب خليفة لحظرها، ليس سوى مدان بهذه الجريمة، وتوجيه الاتهام إليه من امرأة تعمل في الجنس يعدها إهانة كبيرة لصورته كرجل وعسكري سابق ورئيس لمنظومة تعلي من رموز الجزمة والبذلة العسكرية والصاروخ والتي في النهاية هي رموز “قضيبية”. فجمهور عون في غالبه يبدو جمهوراً جنسانياً بحتاً، يحدثنا دوماً عن “ظبرته” كما فعلت سيدة في فيديو لتظاهرة شهيرة والتي بحسب السيدة تساوي البلد كله، وعن صورته الأبوية البطريركية المتسلطة وغير القابلة للنقد أو الهجوم.

وخليفة إذ تركت مجال عملها في صناعة الافلام الجنسية طواعية وأعلنت بعدها أنها كانت مضللة وضحية استغلال، ما زال العالم العربي ومنظومته الذكورية، يعاملانها بأسلوب يستحقرها ويقلل من شأنها ويعاديها لا بل يهدد حياتها كما حصل حين انتشرت تصريحات لتنظيم “داعش” لتصفيتها جسدياً، لا بل يصل بهم الأمر (رجالاً ونساء أحياناً)، إلى إلغاء أي صفة لها ومحو أي قيمة أخرى تتبناها ومعس وجوههها الأخرى تلك التي ولو تعرفوا إليها أو لمسوها، أو سمعوا عنها لا يخرجونها من جنسانيتها. كأن ميا خليفة ومثيلاتها، لا يحق لهن أن يكنّ أفراداً، لهن أذواقهن وتجاربهن ومؤانساتهن.

 

ولكون خليفة امرأة، فتهديد حياتها وملاحقتها وتحقير تصرفاتها وسلوكياتها وأيضاً مواقفها مهما كانت، سياسية أو اجتماعية أو إنسانية، فهو أمر سهل ومبرر من المنظومة نفسها وأفرادها، ومن الأطياف الجنسية والطبقية والعمرية. لأنه نابع من هذه المنظومة ومن أفكارها ومن بنى بطريركية، تنظر إليها كآلة جنسية لا تفكر ولا تطرح آراء ولا قدرة لها على مناصرة قضايا، لأن القضايا بالنسبة إليهم طهرانية، أخلاقية، وامرأة تعمل في الجنس وتجربه وتقدمه بصرياً، لا يحق لها تأييد قضايا أو دعمها وتبينها. والسؤال الذي يجول في رأسهم: كيف لامرأة تجعل جسمها عرضة للذة المشتهاة ولفانتازمات مستفيضة أن تدعم القضية – الأخلاق؟

 

هذه المنظومة ترى في خليفة آلة لاستقبال متعهم بها. وهي إذ فكرت أن تتعاطى مع أي شأن، يرمى عليها العنف شديداً. كأنها لا تملك شيئاً سوى جنسانيتها، والتصرف معها على هذا الأساس غير قابل للنقاش، سوى من خلال أحكامهم ورؤاهم التي تحاكي القضيب لا شيء سواه.

 

وكان لمبادرة خليفة، التي جاءت مؤثرة للغاية ومفيدة أيضاً، صدى واسع. يقرأ من جوانب عدة، أولاً، عن قدرة المشاهير في أي مجال كانوا، على التأثير في قضايا بلادهم ومناصرة شعوبهم ودعمهم في الظروف الاستثنائية، كما يحصل اليوم في ظل النكبة التي أصيب بها لبنان. ثانياً، عن قوة المرأة في جعل القضايا العامة ذات أبعاد إنسانية بحتة، وثالثاً، عن قوة الجنس في خلق الجماهيرية. ما فعلته ميا عجز عن فعله عشرات المشاهير من أصول لبنانية أو رجال أعمال لبنانيين لديهم شبكة علاقات تؤهلهم على جمع تبرعات بملايين الدولارات لشعب لبنان المنكوب. وهو ما يسجل لها، ولقدرتها على تحويل ردود الفعل والعواطف إلى نتائج إيجابية.

 

إلى ميا خليفة نعتذر عن جهلهم وقسوتهم. أنت امرأة تستحقين منا كل التقدير والاحترام والرفعة والحب.

https://www.instagram.com/p/CDx-CUvpfQV/?utm_source=ig_web_copy_link

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق التسوية المؤجّلة: المالية لبري والداخلية للحريري؟
التالى بعد استنزاف الاحتياطي: الدولار إلى 21 ألف ليرة؟