تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

مسوَّدة الدّستور في الجزائر والنّقاش البيزنطي

مسوَّدة الدّستور في الجزائر والنّقاش البيزنطي
مسوَّدة الدّستور في الجزائر والنّقاش البيزنطي

إشترك في خدمة واتساب

مرّ قرابة شهرين على إرسال الرّئاسة الجزائرية مسوَّدة الدّستور إلى المجتمع المدني والطّبقة السّياسية، ليبدأ نشاط سياسي محتشم، ولكنّه كسر رتابة السياسة، بل جمودها الذي صار جرّاء توقّف الحراك الذي دخل هدنة صحية، إضافة إلى مساهمة ظروف الإغلاق الجزئي للحياة، جرّاء ، في توقّف كلّ مناحي الحياة، ومنها السياسية.

بعودة النشاط السياسي، نسجّل خطوة استباقية من حزبي السّلطة السّابقة، جبهة التّحرير والتّجمّع الوطني الدّيمقراطي، حيث سعى كل منهما إلى تجديد أمانته العامّة، في ظروف أثارت القيل والقال، لأنها تجاوزت إجراءات الغلق الجزئي بانعقادها في قاعات مغلقة، وبحضور مندوبين عديدين، في حين أنّ جمعيات وأحزاباً كثيرة لم تتقدّم بطلبات تصريح لعقد تجمّعاتٍ أو اجتماعاتٍ، بالنّظر إلى أنّ الظّروف الصّحية تستلزم الاحترام، ولا يجوز البتّة الخروج عليها، أو الحصول على استثناءاتٍ لتجاوزها، كما جرى بالنّسبة إلى الحزبين المذكورين.
يُطرح، هنا، سؤال محوري يتعلّق بالسّماح للحزبين بعقد تلك اللّقاءات، وهما جهازان كانا يشكلّان عصب السّلطة، على كل الأصعدة (النّخب، التّأييد السياسي، التّجييش والمناصرة المؤسّسية)، هل هي ظرفية، أم أنها إشارة إلى المقاربة التي يحاول النّظام اتّباعها لرسم معالم الحياتين، السياسية والحزبية، في مستقبل الأيّام؟
تنطلق المقالة هنا من حيث انطلقت السُّلطة، لتفسير موقفها من الممارسة الحزبية الاستثنائية التي 
"تفرض الظّروف التي تجري فيها مناقشة مسوَّدة الدّستور التّدافع بين فئات المجتمع المختلفة"
قام بها الحزبان، حيث علّق النّاطق الرّسمي باسم الرئاسة بأنّ الرئيس عبد المجيد تبّون، ووزيره الأوّل، عبد العزيز جرّاد، بعيدان عن الحياة السياسية بل إنّهما ضدّ التحزّب بالنّظر إلى موقعهما داخل السّلطة الحالية، وهو التّبرير الذي يخلط الأوراق أكثر ممّا يرفع عنها الضبابية واللّغط، لأنّ هذا البيان سيُتبع بتجسيد على أرض الواقع، امتحاناً لصدقية السلطة، بفتح القاعات أمام الأحزاب الأخرى والمجتمع المدني لعقد التجمّعات، وبخاصّة في ظرف سياسي يتطلّب ذلك مع طرح الرّئاسة لمسوَّدة الدّستور للنقاش الذي لن تكفيه بلاطوهات القنوات التلفزيونية أو مواقع التّواصل الاجتماعي، على فرض أنها ستكون بسقف حرية مرتفع، بل سيذهب الجميع نحو المطالبة بتمكينهم ممّا مُنح للحزبين، أي إمكانية الاجتماع والحصول على قاعات، بل وتحرّك، بحرية، مع ما يستلزم ذلك من إعادة فتح الحياة السياسية فتحاً كاملاً، يتناسب مع الحاجة السياسية والحجْر الصّحي الذي سيُرفع، حتماً، مع تحسّن معطيات انتشار فيروس الجائحة على كامل تراب البلاد.
سيكون لترخيص الحكومة للجميع القيام بذلك أثر كبير على ظروف مناقشة مسوَّدة الدّستور، ليجعل منها عرساً ديمقراطياً وحراكاً جزائرياً آخر تسوده السلمية، الحضارية، والترفّع عن التعرّض لصغائر الأمور، خصوصاً منها التي يحاول بعضهم، في هذه الأيام، التركيز عليها دون غيرها من أمّهات القضايا، وفي مقدمتها مسألة الأمازيغية وترسيمها، وكأننا نكتشف، اليوم فقط، وجود هذه اللغة بين ظهرانينا.
تناول الكاتب، في مقالات سابقة في "العربي الجديد"، مسألة الهوية وفرعها الأساس، أي اللغة، ونزيدها، هنا، توضيحاً، ليكون الجميع على بيّنةٍ بما يجب التركيز عليه، لأنّ اللّغة هي رموز وإشارات مهمتها التفكير، التواصل والعمل، والجميع يدرك أنّ للغة الأمازيغية من يفكّر بها، يتواصل بها ويعمل بها، وإنْ في مجالاتٍ أضيق مما يمكن أن توصف به لغة من اللغات، وهي تتفاعل داخل مجتمعها.
طبعاً، يجب التذكير بأنّ لكلّ أمّة هوية جامعة، وهي في الجزائر معروفة أركانها، لا يحيد عنها أحد، لأنّنا نعرف أنّ الإسلام هو دين البلاد وأنّ العربية والأمازيغية رافدان للتواصل بين أبناء البلاد كما نضيف، هنا، بكل أريحية، أن اللّغة لا تثبّت وجودها إلّا إذا كان الناطقون بها على وعيٍ بأنها تؤدّي تلك الوظائف، كما تسمح لهم بتبوّء مكانة تحت الشّمس في ميادين تصنع عالمنا اليوم: الاقتصاد، العلم، إنتاج المعرفة، التكنولوجيا، السياسات العامة ... إلخ. لنصل، حتماً، إلى نتيجة أنّ الهوية الجامعة أكبر من كلّ مواطني البلاد، لأننا نستعمل، للوصول إلى تلك المجالات، استخداماً وتواصلاً، لغاتٍ أخرى غير العربية وغير الأمازيغية، فهل نرسّم تلك اللّغات في الدستور، أم الواجب هو التّوافق على أركان هويتنا لنتفرّغ لما هو أهمّ، أي الخروج من التخلّف والانطلاق في مسار بناء التطوّر المجتمعي برؤية واحدة، إدراك واحد وبهوية تكون دافعة لنا، وليست كابحة لمسار حياتنا؟
لنعد إلى أمّهات القضايا التي على الجزائريين الاهتمام بها في هذا الظّرف السّياسي الحاسم،
"اللّغة هي رموز وإشارات مهمتها التفكير، التواصل والعمل"
 ظرف نناقش فيه، من المفروض، بكلّ حرية وبكلّ تفتّح، مسوَّدة الدّستور، للقول إنّ الأولويات هي إرساء منظومة حكم تحول دون إعادة إنتاج مسار الفساد والحوكمة دون الاعتماد على ركائز الجدوى، الدراسات المعمقة للمشاريع والتنفيذ العقلاني مع إرساء أسس رقابة على صرف المال العام من خلال مؤسّسات تمثيلية إضافة إلى منظومة حقوق/ واجبات تجعل من الجزائريين مواطنين، لا رعايا.
كيف نقوم بذلك إذا بقينا ندور في إطار نقاش بيزنطي تستفيد منه دوائر العصابة، لتعود كما شهدت ذلك بلدان عديدة عرفت الحراك، كما عرفت النقاش ذاته بدون آفاق سياسية، بصفة خاصة؟ يمكننا الاتّفاق على أنّ الهوية مسألة منتهية ومحسومة بين الجزائريين، وأركانها واضحة، وأنّ بيان نوفمبر هو مرجعية الجزائريين جميعاً، ثم نمرّ إلى أمّهات القضايا التي شاهد العالم كيف عبّروا عنها من خلال حراك سلمي وحضاري، سواء اتّفقنا على كلّ مساره أو اختلفنا، كما يجري ذلك، بصفة طبيعية، داخل كلّ المجتمعات الحيّة. ولنسجّل في الدّستور ما يحوّل مشروع الجزائريين إلى همّة ترفع الغمّة وتهيّئ أجواء التقدّم للأمّة، في بلادهم وفي جوارنا المغاربي الذي يشكّل عمقهم التاريخي، الهوياتي والروحي، ومعه نكون أو لا نكون، مستقبلاً.
بثّت قناة فرنسية، قبل أيام، شريطاً على الحراك، اتفقنا، جميعاً، على أنّ جزءاً من محتواه مدرج، ومن صنع استخباراتي فرنسي، ولم يساور أحد الشكّ في أنّ ذلك الكبت المُعبَّر عنه من بعض الشّباب، هو من خارج إطار منظومتنا الأخلاقية. كما اتّفقنا، جميعاً، على أن المستهدف هو الجزائر وحراكها المبارك. ولكن، بعدها، بأيّام، أيضاً، عاد النقاش البيزنطي في مضمون الدستور، وبالذات في بابه الخاص بالهوية، مسجّلين نقاشاً دون أفق، ودون وضع اليد على أمّهات القضايا التّي جاءت المقالة هنا على جانب منها، وغيرها كثير ممّا يجب أن نتفطّن إلى وجوب مناقشته لندرجه في العقد الاجتماعي الذي سنتوافق عليه، نحن الجزائريين، لبناء مستقبلنا معاً ومن دون أن نفرط في الضّياع عن تحديد الأولويات، ولا التّفريط في الفرصة المُتاحة لفرض مسار للنّقاش الحقيقي والواقعي، وشكل ومضمون له.
شئنا أو أبينا، تفرض الظّروف التي تجري فيها مناقشة مسوّدة الدّستور التّدافع بين فئات المجتمع 
"لنسجّل في الدّستور ما يحوّل مشروع الجزائريين إلى همّة ترفع الغمّة وتهيّئ أجواء التقدّم للأمّة"
المختلفة، وهو تدافع مقبول، لأنّ من طبائع الأمور الاختلاف. ولكن مع توافق حول قضايا نجعل منها مرجعيّات لا نحيد عنها، بل لا نعرضها للّنقاش تماماً، كما هي قضايا الهويّة التي واجه الجزائريون بها فرنسا وتحدّيات التّاريخ، مع الاعتراف بأنّ ثمّة من سيحدّد لنفسه مرجعياتٍ شاذّة، هي التي يجب الاتفاق على أنّها تشكّل الفاصل بين مرتكزات الانتماء إلى الجزائر وأسسه أو الخروج عنها عند الابتعاد عن تلك المرجعيات التي علينا، وجوباً، تسجيلها في الدّستور، في ديباجته، والاتفاق على أنّها تحمل صفة القدسية، وهي: الطابع الجمهوري للبلاد، مرتكزات الهوية، بيان أوّل نوفمبر، مكانة الشّهداء في مسار الكفاح ضد العدّو الدائم للبلاد (فرنسا)، مع تسجيل حدود لمسار مشروع بناء جزائر المستقبل، قوة إقليمية مع عمق استراتيجي جواري، هو المغرب العربي، وإقليمي يشمل غرب المتوسّط والمنطقة السّاحلية – الصّحراوية.
هذا هو النقاش الواقعي الذي تتطلبه الجزائر في هذا الظرف الحساس. وقد يُختم القول هنا بالحديث عن أن المستقبل بين أيدي الجزائريين، وهم من يصنعونه، وقد ضيعوا فرصاً عديدة ورهانات عديدة، لنكون، اليوم، من الرّشادة بمكان، بحيث نترفع عن الصّغائر، ونذهب، مباشرة، نحو أمهات القضايا، قضايا تضعنا على المسار أو ترهن مستقبلنا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق "أنا مش كافر" يوميات الجوع اللبنانية على مذبح الكرامة
التالى الدولار يفقز ألف ليرة يومياً: "هيركت" غير معلن لدولارات المصارف