تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

مفاعيل استعادة قاعدة الوُطية في ليبيا

مفاعيل استعادة قاعدة الوُطية في ليبيا
مفاعيل استعادة قاعدة الوُطية في ليبيا

إشترك في خدمة واتساب

تحاول الآلة الإعلامية الموالية لعملية الكرامة، داخل ليبيا وخارجها، التهوين من قيمة خسارة أنصار اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، قاعدة الوطية الجويّة، وتروّج أنّ فقدان القاعدة ليس مهمّا وغير مؤثّر، وأنّ ما حصل تمّ على سبيل الانسحاب التكتيكي. ولكنّ المتابعة الموضوعية لإحداثيات الميدان وموازين القوى ومستجدّات الحرب على الساحة الليبية تثبت خلاف ذلك، فالقاعدة المذكورة ذات أهمّية إستراتيجية بالغة، وفقدانها، بشكل أو بآخر، خسارة معتبرة لمعسكر حفتر، لها مفاعيل عسكرية وسياسيّة عدّة.

تتميّز قاعدة الوطية الجوية التي شيّدها الأميركيون في ليبيا سنة 1942 بموقع استراتيجي مهمّ لبعدها عن المدن، وصعوبة الوصول إليها، لما يحيط بها من تضاريس وعرة، وتمتدّ على مساحة شاسعة، ومن خلالها يمكن تأمين تغطية جويّة لحدود ليبيا مع تونس والجزائر ولكل المنطقة الغربيّة. وللقاعدة بنية تحتيّة ضخمة، وتحصينات داخلية وخارجية متينة، وهو ما يجعل اقتحامها صعبا. وتحيط بها مراصد كثيرة، وفيها مستودعات للذخيرة، ومهبط للطائرات، ومخازن خرسانية، ومحطة وقود، ووحدات سكنية، وتَسَع لزهاء سبعة آلاف جندي. واستولت عليها قوّات عمليّة الكرامة الموالية لخليفة حفتر إبّان الحرب الأهلية سنة 2014، ورابطت بها ستّ سنوات، واستخدمتها لتحشيد المناصرين لها القادمين من الشرق الليبي، ولتجميع المرتزقة الأجانب، ولتوجيه ضرباتٍ جويّة لتمركزات الثوّار، وقوّات حكومة الوفاق الوطني، والأحياء السكنية والمواقع المدنية في المنطقة الغربيّة عموما، ومدينة طرابلس خصوصا.
وعلى خلاف ما يدّعية إعلام "الكرامة"، فإنّ خروج كتائب حفتر من القاعدة لم يكن طوعا، ولا كان انسحابا تكتيكيّا، بل كان هروب مُكرهٍ من موقع استراتيجي، أملته مستجدّات الميدان وتطوّرات الاشتباك مع قوّات حكومة الوفاق الوطني، فقد مارست كتائب "بركان الغضب" خطّة استنزاف طويلة المدى، أرهقت أتباع حفتر المرابطين بها، ودفعتهم إلى الهروب منها والتفريط 
"يجد حفتر نفسه معزولاً، متراجعاً في ميادين الاشتباك العسكري، وبعيداً عن طاولة المفاوضات السياسية"
فيها. وتجلّى ذلك في فرض حصار مطبق على القاعدة، وقطع خطوط الإمداد الموجّهة إليها، وتكثيف الغارات الجويّة عليها، واستهداف أيّ آليةٍ عسكريةٍ داخلة إليها أو خارجة منها، وتوجيه ضرباتٍ موجعة، دقيقة، استهدفت قياداتٍ تشرف على تسيير القاعدة، ومخازن أسلحة ومرابض للطائرات، ومنظومات دفاع جوّي"بانتسير" روسية الصنع. وبدا واضحا أنّ سلاح الجوّ الليبي أفاد، بشكل لافت للنظر، من خبراء ليبيين، ومن مستشارين أتراك في إطار اتّفاقية التعاون الأمني والبحري بين البلدين، واستفاد أساسا من الطائرات المسيّرة التركية التي أظهرت نجاعةً هائلةً في إصابة الأهداف بدقّة، وساهمت في ترجيح الكفّة لصالح قوّات "بركان الغضب" على حساب كتائب عمليّة الكرامة التي اشتدّ عليها القصف والحصار، وتوالت عليها الهجمات المباغتة، وتعدّدت خسائرها في العتاد والرّجال، فأصبحت ترى البقاء في قاعدة الوطية انتحارا ماحقا. وعندما هاجمت قوّات "بركان الغضب" القاعدة برّا من خمسة محاور وبمرافقة جويّة (18/2020/05)، لم يجد جلّ عناصر كتائب الكرامة من حلٍّ غير أن يتجرّدوا من ملابسهم العسكرية، ويفرّوا من القاعدة نحو الرجبان أو الزنتان أو مناطق أخرى. وللتفريط في القاعدة استتباعاتٌ عسكريةٌ وسياسيةٌ عديدة.
من الناحية العسكرية، يفقد معسكر حفتر بطرده من قاعدة الوطية إحدى غرف عمليّاته الرئيسية في المنطقة الغربية، ويخسر قاعدةً استراتيجيةً كانت منطلق هجماته الجوية المكثفة على طرابلس، وكانت توفّر خزّان إمداد بالسلاح والرجال لمقاتليه على تخوم العاصمة. وباستعادة الوطية، سيكون في مقدور قوّات حكومة الوفاق الوطني إعادة تأهيلها، وترميمها واستخدامها لتأمين منطقة الجبل الغربي، وحماية مدنها من أيّ هجماتٍ ارتداديةٍ لكتائب حفتر. كما يتيح استرجاع القاعدة وإصلاح مدارجها ومهابطها استعادة حركة الطيران فيها، والقيام بطلعات جوية لتغطية كامل المنطقة الغربية، ومراقبة الحدود مع الجارتين: الجزائر وتونس. ومن المتوقّع أن تصبح القاعدة نقطة ارتكاز وحاضنة تدريب لقوّات حكومة الوفاق الوطني، وسيمكّن استخدامها من تخفيف الوطأة على مطار معيتيقة الدولي، خصوصا أنّها تقع في مكان منيع، وفي منأى عن قصف كتائب حفتر. ويفترض أن تكون مدينتا ترهونة وقصر بني غشير، بعد أن تمت السيطرة على مدينة الأصابعة، الوجهة التالية لقوّات بركان الغضب، حيث توجد آخر غرفة عمليّات رئيسية لأتباع حفتر، وحيث يتمركز، بحسب تقارير متواترة، عناصر من شركة فاغنر الأمنية الروسية الخاصّة، ومناصرون للجنرال من فلول النظام القديم. وستعني استعادة ترهونة قطع آخر تموين وإمداد لكتائب حفتر. ويؤدّي ذلك إلى اندحارها من محاور جنوب طرابلس وعموم المنطقة الغربية. ومن غير البعيد أن يتمّ بعد ذلك التوجّه نحو استعادة مدينة سرت، وقاعدة الجفرة، ومنابع النفط، تحقيقا لسيادة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليّا على تراب البلاد وثرواتها الطبيعية، وتحقيقا لمصالح شركاء ليبيا الاقتصاديين.
من الناحية السياسية، نجمت عن هزيمة حفتر في الوطية عدّة استتباعات، منها تهاوي مقولةؤ
"يفقد معسكر حفتر بطرده من قاعدة الوطية إحدى غرف عمليّاته الرئيسية في المنطقة الغربية"
"رجل ليبيا القوي"، وبروباغندا "الجيش العرمرم" الذي يقوده، فقد تبيّن أنّنا إزاء جماعات مسلّحة مشتّتة، مرتبكة، تترك المواقع المهمّة التي حازتها بمجرّد علمها بتوجّه قوّات بركان الغضب للهجوم عليها قصد استعادتها، وهو ما يُخبر أنّ كتائب حفتر لا تُجيد وضع خطط دفاعية ناجعة ومستدامة. وبعث ذلك شكوكا في نفوس أنصار حفتر وداعميه الإقليميين بشأن إمكان كسبه المعركة في الغرب الليبي، وبدّد يقينهم بإمكان دخوله طرابلس. وفي المقابل، مكّن استرجاع قاعدة الوطية حكومة الوفاق الوطني من كسب ثقة سكّان طرابلس وعموم المنطقة الغربية، فأثبتت أنّها تبذل الجهد لحمايتهم، وأنّها عازمةٌ على إيقاف المتمرّد ودحر العدوان على طرابلس، وأنّها ماضيةٌ بإسناد من الثوّار وقوّات بركان الغضب نحو "تحقيق الانتصار الكبير"، على حدّ تعبير رئيس حكومة الوفاق، فايز السرّاج، وذلك ببسط نفوذ حكومة الوفاق، الشرعية المعترف بها دوليّا، على كل التراب الليبي، ووضع حدّ للثورة المضادّة ومشروع عسكرة الدولة، فبعثت بذلك رسائل طمأنة إلى عموم الليبيين والمجتمع الدولي. وساهمت تقدّمات قوّات "الوفاق" في تطوّر مواقف بعض البلدان من الهجوم على طرابلس، وفي تزايد الاهتمام الدولي بالمسألة الليبية. وتعالت أصوات وازنة في المنتظم الأممي، مندّدة بالتدخّل الأجنبي في ليبيا، وبتدفّق السلاح إليها، مناديةً بإيقاف الحرب، وتعقّب انتهاكات كتائب حفتر، ووضع حدّ لمغامرته الخاسرة التي أهلكت البلاد والعباد. وفي هذا السياق، قالت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (بالإنابة)، ستيفاني ويليامز، في إحاطتها أخيرا أمام مجلس الأمن إنّ "معظم الإصابات في
"يبدو أنّ حفتر ضيّع بالسلاح ما كان يمكن أن يكسبه بالسياسة"
صفوف المدنيين تسببت فيها قوات موالية لحفتر". وذكرت أنّ قفل أتباعه الحقول النفطية أدّى إلى خسارة أكثر من أربعة مليارات دولار. وقالت مندوبة الولايات المتحدة "إنّ بلادها تعارض هجمات قوّات حفتر على المدنيين"، ونبّه ممثّل بريطانيا في مجلس الأمن إلى أنّ "التكلفة البشرية والمادية الناجمة عن استمرار قصف أحياء العاصمة أمر غير مقبول". فيما حرصت روسيا على فكّ محاولات ربطها بحفتر، ورفضت بشدّة شبهة اتّهامها بتصدير أسلحةٍ متقدّمةٍ إلى ميدان الحرب. واتفق الرئيسان، الأميركي ترامب والفرنسي ماكرون، في مهاتفةٍ بينهما على ضرورة وقف التصعيد والتدخّل الخارجي في ليبيا. ومن ثمّة بدأ يتبلور، على التدريج، موقف دولي وسبق أن صرّح السفير الأميركي في ليبيا، ريتشارد نورلاند، بأنّ "تأثير حفتر يتناقص كل يوم (…) والدول الداعمة له بدأت يتجه نحو دعم الشرعية، والضغط من أجل إنهاء حرب عبثية أرهقت الليبيين، وأفسدت مصالح شركائهم الإقليميين والدوليين".
يبدو بعد استعادة قاعدة الوطية، ودحر أعوان حفتر من غريان ومدن الساحل الغربي، أنّ محاولات إلحاق ليبيا بالحالتين، السورية واليمنية، آلت إلى الفشل، وأنّ الحلم باستعادة النموذج المصري في ليبيا بات أقرب إلى المحال منه إلى الإمكان. ويبدو أنّ حفتر ضيّع بالسلاح ما كان يمكن أن يكسبه بالسياسة. وهو يجد نفسه بعد سنواتٍ من التمرّد على الشرعية (منذ 2014)، وبعد عام من العدوان على طرابلس، معزولا، متراجعا في ميادين الاشتباك العسكري، وبعيدا عن طاولة المفاوضات السياسية. واقترنت صورته في الوعي الجمعي الليبي، في المنطقة الغربية، خصوصا بصورة الجنرال النرجسي، الانقلابي، الغازي، الميّال إلى عسكرة البلاد، وفضّ الخلافات بالقوّة، وحكم النّاس بسطوة السلاح بدل الاحتكام إلى صندوق الاقتراع، وجعل ذلك كثيرين ينفضّون من حول مشروعه العسكري، ويلتفّون حول دعاة بناء دولة مدنية، ديمقراطية، موحّدة في ليبيا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الصفعة التي صرعت حكومة دياب أمام المجتمع الدولي