أخبار عاجلة

تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

جائحة الجورب المفقود

جائحة الجورب المفقود
جائحة الجورب المفقود

إشترك في خدمة واتساب

معضلات كثيرة تمر عبر طول حياتنا وعرضها، بعضها يُحل بقدرة قادر، أو بعبقرية الإنسان التي لا تجب الاستهانة بها، مع كل ما تكشّف من ضعف المخلوق البشري مقابل فيروس الضئيل، وأحاجي أخرى تظل عصيةً على الحل، فتستحيل أساطيرَ مخيفةً تتفشى، ويخشى الناس مجرّد الحديث عنها. واحدة من هذه الأحاجي المزمنات "لغز فردة الجورب" التي وضعت في الغسيل مع شقيقتها ثم اختفت بلا أثر. كانت أمي، رحمها الله، تنشر غسيلها على سطح المنزل، ومثل كل سطوح منازل الحي، كان سطح منزلنا يتحول أيام الجُمع إلى معرض للألبسة والجوارب (الجرابين أو الجرابات)، يسمّيها أهل المغرب الأقصى "طقاشر". تشرع أمي بجمع الغسيل النظيف الناشف قبل غروب شمس اليوم، لتتسلى في فرزه وطيه، بينما تتفرج على التلفاز. وجرت العادة، كل أسبوع، أن تصرخ أمي فجأة نادهةً أحدَنا، للصعود إلى سطح البيت للبحث عن فردة جورب مفقودة، مع إعطاء توصيفٍ كامل للعلامات الفارقة للجورب المطلوب، أهمها اللون والنقشة. ومثل هذه المعلومات كانت تُعطى في النداء السامي لتسهيل مهمة من تولى واجب الصعود إلى السطح للعثور على فردة الجورب المختفية، وكانت الحجّة تزيد في بعض الأوقات معلومةً في بيانها، تفيد بأن الفردة المفقودة تخصّ جورب الوالد، وفي ذلك إضفاء أهمية واستعجالية لإنجاز المهمة. 

في غالب الأحايين، بل في كلها، لم تكن مهمة البحث عن الجورب المفقود على سطح البيت تكلّل بالنجاح، ويُخَلف هذا جدلاً في البيت الداخلي، يمتد صداه إلى البيوت المجاورة، فتتحوّل قضية فردة الجورب المفقودة فضيحةً محليةً بأصداء وتداعيات إقليمية. تُجدّد أمي تعليمات أمر البحث عن فردة الجورب، مع تعديلٍ على تفاصيل المهمة، لتتسع مناطق البحث، ما بين المطبخ، حيث جرت موقعة الغسيل، والدرج المؤدي إلى السطح، مع ضرورة مسحٍ دقيقٍ للمسار الذي سلكه موكب الغسيل من المغسل إلى المنشر. وعلى الرغم من توسيع دائرة البحث، والاستعانة بمفتشين آخرين، تفشل المهمّة مُجدداً، ويتعالى الجدل بين الأبناء الفاشلين في إنجاز المهمة، وبين أمي التي كانت تُنهي النازلة، بجملتها الشهيرة: "وإذا قمت أنا ولقيته؟"، اكتشفت لاحقاً أن هذه الجملة ليست من الأقوال الخالدة لأمي، ولا حقوق تأليفها حصرية لها، وإنما هي قولٌ مشاع تناقلته الأمهات عن الجدّات، وقد ضاعت أمه الأولى، كما تضيع أزواج الجوارب فِرادا. تنهض أمي متثاقلة، وهي تتمتم بجملة أخرى: "اتعب قدّامك ولا تتعب لسانك"، تليها عباراتٌ تشكو فيها خيبة أملها من أولاد خلفتهم لعونها في الأيام السود، وإذ بهم فاشلون في العثور على فردة جورب أبيض.
مضت الأيام، تبدّلت الأمهات، وتغيرت الأحوال نحو الأرقى، لم تعد الأمهات تغسل في حوض الغسيل أو باستخدام غسّالة "شبه آلية"، بل صارت غسّالات "فل أتوماتيك" تنجز المهمة، تغسل وتعصر وتُنشّف. أغلقت التكنولوجيا الحديثة معارض الملابس المنشورة على أسطح البيوت، ولم يرث أولادنا مهام البحث الليلي عن فردة جورب مفقودة ما بين المغسل والمنشر على سطح الدار. ما لم يتغير، وانتقل من جيل إلى جيل، هو نداءات التكليف الصادرة عن الأمهات لكل السامعين بضرورة العثور على فردة جورب بقيت في حوض الغسالة أو سقطت جوارها. شيءٌ آخر لم يتغير، هو الفشل المركب المتوارث، فشل حل لغز الجورب المفقود، وفشل العثور على الفقيد ولو مرّة، فشل توارثه الخلف عن السلف الصالح.
شيء هام وتاريخي أحدثته السيدة كورونا، وهنا مربط الفرس في نبش هذا الموضوع، ذلك أن البحث عن الجورب المفقود في ظل حصار الحَجْر، لم يعد مثار صراع أو مصارعة، بل صار البحث عن فردة جورب ضاعت في زمن ما قبل جائحة "كوفيد 19" تسليةً لقتل الملل. وفي زمن الحشر المنزلي، لم تعد فردات الجوارب تُغسل فتختفي، فالمحجورون لا يحتاجون جَوربةً في رحلاتهم المكوكية بين المطبخ والمطبخ.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الصفعة التي صرعت حكومة دياب أمام المجتمع الدولي