أخبار عاجلة

تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

عالم كورونا الكافكاوي

عالم كورونا الكافكاوي
عالم كورونا الكافكاوي

إشترك في خدمة واتساب

الإشاعات التي تتخذ من موضوع جائحة (كوفيد 19) أكثر من أن تُحصى. منها ما تظهر في هيئة علمية، ومنها ما تأتي في صيغة نظريات المؤامرة، والقوى الخفية التي تتحكّم في العالم؛ ومنها ما تستند إلى المظلوميات، وغيرها كثير. .. والإشاعة عادة تنتشر بفعل توفّر عاملين أساسيين، ووجود التربة الخصبة القابلة بها، أو المساعدة على انتشارها. يتمثل الأول في الغموض الذي يحيط بالموضوع الذي تتمحور حوله الإشاعة. ويتجسّد الثاني في أهمية الموضوع بالنسبة إلى البيئة التي تنتشر فيها الإشاعات. وتتوقف مساحة دائرة الإشاعة على نوعية الوسط الاجتماعي الذي يتفاعل معها، ويساهم في إطلاقها، فهناك إشاعات على مستوى المجتمع المحلي، وأخرى على المستوى الوطني أو الإقليمي، وهناك إشاعات على المستوى الكوني؛ وهي سمةٌ يتميز بها عصرنا الراهن نتيجة العولمة، وتطوّر وسائط التواصل الاجتماعي ووسائل النقل، وسهولة السفر. ومع ذلك، تبقى الأولوية لعاملي الأهمية والغموض، فطالما أن الموضوع الذي تتناوله الإشاعة هو على قدر كبير من الأهمية لوسط اجتماعي معين؛ وما دام الغموض يحيط بالموضوع في الوقت ذاته، فإن الإشاعات ستنتشر، نتيجة وجود استعداد لتقبّل تلك الإشاعات، والتعامل معها بوصفها تفسيراتٍ للقضايا الهامة الغامضة.

وإذا عدنا إلى بدايات التاريخ البشري، وجدنا أن الرغبة في الوصول إلى تفسيراتٍ مقنعةٍ بخصوص الظواهر الطبيعية المجهولة السبب في منظور التجمّعات الإنسانية الأولى؛ هذا إلى 
"الإشاعات تنتشر، نتيجة وجود استعداد لتقبّلها، والتعامل معها بوصفها تفسيراتٍ للقضايا الهامة الغامضة"
جانب أهميتها القصوى في حياتها، كانت تؤدّي إلى انتشار الخرافات والأساطير التي كانت تلبّي النزوع المعرفي لدى الإنسان في ذلك الحين، وهو النزوع الممتزج بالحاجة والخوف والعجز. وقد أسهمت مؤسستا السلطة، القصر والمعبد، باستمرار في توظيف الإشاعات، بل وفي صناعتها وتسويقها، وذلك في إطار جهودها للسيطرة على الداخل، أو للحدّ من المخاطر التي تمثلها القوى الأخرى المنافسة الطامعة، المحاذية لها في الجوار الجغرافي.
وفي العصور الحديثة، بات الإعلام السلاح الأمضى بيد السلطة السياسية التي استخدمته للتأثير في توجهات الناس وقناعاتهم، معتمدةً في ذلك على الإشاعات والسرديات التي تضفي عادة كل الصفات الإيجابية على مشاريع السلطة السياسية وتوجهاتها، وتقدّم، في الوقت ذاته، صورةً بغيضةً قاتمة للمعسكر الآخر المناوئ، الخصم. وموضوع كورونا في يومنا الراهن هو موضوع الساعة على جميع المستويات، المحلية والوطنية والإقليمية والعالمية، فهو مهم لجميع الناس الذين ينظرون إليه بوصفه قضية حياة أو موت بالمعنى الحرفي للكلمة. والغموض إذ يهيمن على هذا الموضوع من جميع جوانبه، فيساهم هو الآخر في إطلاق الإشاعات، وانتشارها. فالأطباء لم يتمكّنوا حتى الآن من الوصول إلى تفسيراتٍ علميةٍ حاسمةٍ بشأن أسباب ظهور فيروس كورونا، وكيفية انتشاره، والمدة المتوقعة لاستمراريته، والتطورات التي يمكن أن تطرأ عليه. كما لم يتوصّلوا إلى علاج مؤكّد يقدم إلى ضحاياه، أو لقاح وقائي يُسلح به الناس لمواجهته، خصوصا الفئات المعرّضة لخطر الإصابة به، أو تلك التي لا تتمتع بقابلية مناعية كافية تمكّنها من مقاومة نتائجه. لذلك تكثر الإشاعات في كل المجتمعات، وفي جميع الاتجاهات، منها ما تتحدث عن مؤامرة أميركية أو صينية؛ ومنها ما تتحدّث عن غضب الطبيعة أو غضب السماء؛ ومنها ما تلتحف بالأساليب التقليدية والطقوس السحرية بأسمائها 
"أسهمت مؤسستا السلطة، القصر والمعبد، باستمرار، في توظيف الإشاعات، بل وفي صناعتها وتسويقها"
المختلفة بحثاً عن الخلاص. واللافت في الموضوع أن الدول الكبرى نفسها قد أسهمت في تعزيز جانبٍ من هذه الإشاعات. إذا اتهمت الصين مباشرة الولايات المتحدة الأميركية بالتسبّب في انتشار الفيروس على أراضيها أولاً؛ وكذلك فعلت إيران. هذا في حين أن الرئيس الأميركي ربط بصورة غير موفقة بين الفيروس والصين، ليصبح الأخير، وفق تعبيره، صيني المنشأ أو الهوية.
وما يعزّز كثرة الإشاعات، وسرعة انتشارها في موضوع كورونا، هو بلوغ أهمية الموضوع وغموضه بالنسبة إلى البشرية كلها الذروة القصوى. ولن تكون هناك إمكانية للحد من انتشار الإشاعات، أو إيقاف عمليات تسويق الأخبار المزيفة من دون إحداث تغيير نوعي في أحد العاملين المذكورين، وهذا لن يتحقق من دون الوصول إلى علاج فاعل، يمكّن من السيطرة على الفيروس بصورةٍ تجعله أحد الفيروسات الأخرى المعروفة في عالمنا التي أصبحت جزءاً من الواقع المعاش، واقع تكيّف معه الجسم الإنساني على مر الوقت. وبالنسبة إلى عامل الغموض، لن يبطل مفعوله ما لم تقدّم رواية متكاملة، تمتلك المصداقية المعرفية حول أسباب وكيفية انتشار المرض؛ وهذا لن يتحقق من دون وجود تعاون شفّاف بين مختلف الدول، خصوصا الكبرى المتقدّمة منها، تلك التي تمتلك تقنيات الحرب البيولوجية، كما تمتلك قدرات إيجاد اللقاحات والأدوية الناجعة وتقنياته. ولكن المشكلة أن هذا التعاون غير موجود، بل هناك سعي من كل طرف إلى استغلال الموضوع لصالحه إعلامياً، وتسويق نفسه القادر على الإتيان بالمعجزات، مقابل اتهام الطرف الخصم بإخفاء الحقائق، والتسبب في استفحال الجائحة، والتلاعب بالأرقام الخاصة بضحاياه وآثاره. وفي المقابل، تحاول أنظمة دول أخرى استغلال الفرصة لتحقيق مكاسب سياسية على المستوى الداخلي، فتحت شعار مكافحة فيروس كورونا منحت أنظمةٌ عدة نفسها صلاحياتٍ واسعة، واتخذت إجراءات عديدة تهدّد حريات الناس عبر مراقبتهم، وجمع البيانات الشخصية حولهم؛ وذلك للالتفاف على المطالب المشروعة بضرورة وضع حد للفساد والاستبداد. وما مثال النظام المجري سوى البداية؛ فهناك أنظمة كثيرة في منطقتنا ستقتدي به، بل كانت الجائحة بالنسبة إليها نعمة مكّنتها من التخلص من الاحتجاجات، وأعطتها فرصة التراجع عن الوعود بالإصلاح، والحالتان، اللبنانية والعراقية، خير مثال، أما 
"اللافت في موضوع كورونا أن الدول الكبرى نفسها أسهمت في تعزيز جانبٍ من الإشاعات"
الوضع السوري فهو الكارثة بعينها.
وهناك زعماء عديدون حاولوا الاستفادة من نتائج استطلاعات الرأي التي أشارت إلى تزايد شعبيتهم، وهي نتائج معروفة بمحدوديتها الوقتية، لأنها متأثرة إلى حد بعيد بواقع الهواجس التي تسيطر على الناس في زمن كورونا، وهي هواجس تذكّرنا بأجواء رواية كافكا "المحاكمة/ العملية"، حيث محاكمة غامضة يخضع لها شخص تم توقيفه لأسباب يجهلها، لا يعرف شيئاً عن التهمة أو التهم الموجهة إليه، ولا يعرف من هم القضاة والشهود. وتتقاطع هذه الأجواء، في أوجه كثيرة منها، مع الظروف التي يعيشها الناس راهناً. إنها أجواء سوريالية تثير رعب الناس الذين لا يعرفون كيف ومتى سيهاجمهم الفيروس المفترس، فهم يعتقدون أنه في كل مكان، ويتربّص بهم من جميع الجهات. وطبيعيّ، في هذه الحالات، أن يستسلم الناس للوساوس والمحاكاة والانقياد، وأن يبحثوا عن ملاذٍ يمنحهم شيئاً من الأمان. وغالباً ما يسلم الناس أمورهم في مثل هذه الحالات، ولو وقتيا، وبغريزة قطيعية، لمن يتصدّون لتحمل المسؤولية، أو لمن هم في موقعها أصلاً؛ وعادة ما يكون هؤلاء من الزعماء السياسيين الذين تُسلّط عليهم الأضواء، وترتفع شعبياتهم بعض الوقت، ولكن ما أن تم التيقن من عجزهم، أو عدم مصداقيتهم، حتى تنهار الشعبية في لحظات خاطفة.
ولكن أمام جسامة الأزمة الكونية الناجمة عن انتشار جائحة كورونا، وانعكاساتها الكبرى على الاقتصاد العالمي، وعلى مختلف جوانب المجتمع، وحتى على حياة الأفراد الخاصة، فإن الباحثين في أشهر الجامعات والمراكز البحثية الطبية الموزعة في مختلف أنحاء العالم، في سباق مع الزمن، من أجل الوصول إلى لقاحٍ مناسب، وعلاج مفيد، لمواجهة الفيروس المتوحش؛ وتنقل المصادر عن هؤلاء أن هناك بوادر إيجابية مشجعة جداً. وإذا تحقق أمر من هذا القبيل فإن وتيرة الإشاعات الخاصة بكورونا ستنخفض تدريجياً، لتصبح مع الوقت جزءاً من الطرائف التي سمعناها عن الأوبئة السالفة، ونسمعها بكثرة اليوم هنا وهناك، والطرائف عادة تكون وسيلة يستخدمها الناس في أوقات المحن للتخفيف من الضغط والمخاوف.
وبالنسبة إلى الغموض الذي يحيط بسبب الفيروس، وسرعة انتشاره، فقد تقل حدّته مستقبلاً بفعل جهود الباحثين المهتمين، ولكن من المتوقع أن تظل أمورٌ كثيرة ذات علاقة بالموضوع في عداد أسرار الدول التي غالباً لا يُرفع الستار عنها إلا بعد مرور فترة طويلة، وربما تظل أسراراً إلى الأبد، لتكون باستمرار مادةً للتخمينات والإشاعات.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الصفعة التي صرعت حكومة دياب أمام المجتمع الدولي