تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

عن جدّي "شعنين"

عن جدّي "شعنين"
عن جدّي "شعنين"

إشترك في خدمة واتساب

لطالما رُوي لنا كيف أنّ جدّي لأبي كان يخرج يوم أحد الشعانين إلى الكنيسة، مضمّخا بالبياض من رأسه حتى أخمص قدميه، وهو ما حدا بأهل القرية إلى إطلاق لقب "شعنين" عليه، وهو لقبٌ من بين بقية الألقاب الأخرى التي استمرّت سارية إلى اليوم للتمييز ما بين أبناء العائلة الكبيرة الذين يحملون الاسم نفسه.

في أحد الشعانين، وهو عيدٌ مخصّصٌ للصغار، يرتدون فيه أجمل ثيابهم، ويخرجون إلى الكنائس حاملين شموعهم الكبيرة المزيّنة، تخليدا لذكرى دخول السيّد المسيح القدسَ راكبا على حمار وفي يده غصن زيتون، يصحو جدّي باكرا، فيحلق ذقنه البيضاء، ويصفّف شعره الأبيض، ثم يرتدي سروالا وقميصا وصدرية مطرّزة كلّها بيضاء، وينضمّ إلى جموع الأولاد، رافعا، بدل الشمعة المزينة بالقمح، أو بالشرائط والورود، غصن زيتون. تضحك عمّتي الكبرى إذ تخبرنا بذلك، وتقول، كان أهلُ القرية يتضاحكون ويتمازحون عند رؤيته، ولم يكن يهتمّ هو، بل يُبقي على ابتسامته الرائقة المسالمة غير آبه بالتعليقات. وإذ تزفر عمتي الهواء من صدرها المنتفخ المتدلّي حتى بطنها، وهي تترحّم عليه، تضيف إنه على الأقل لم يترك لنا لقبا مُشينا كما فعل أقرباءٌ لنا أو جيرانٌ عُرفوا بالبخل أو اتّصفوا بعاهة أو بقلّة العقل.
***
تبقى أمّي منشغلة، قبل شهر على الأقلّ، بما ينبغي لنا أن نرتديه في أحد الشعانين، وتُبقي الخيّاطة "كريمة" على قلق وتوتّر، حتى تنتهي من وضع تصاميمها الغريبة التي تريدها فريدةً لا تشبه أيا من الأزياء الجاهزة أو المخيطة التي يرتديها الآخرون. تستشير مجلّة "بوردا" للأزياء، وإذ تختار أيا من موديلاتها، لا تُبقيه على حاله، بل تضيف إليه من هنا وهناك، وتبدّل لون القماش، لكي يتّسق واللفّة الكاملة التي اشترتها بسعرٍ مخفّض لكي تكفي أطفالها الأربعة. وإذ تظهر اللفّة قاصرةً عن كفاية تصوّراتها، تضيف مترين أو ثلاثة من قماشة أخرى مزركشة أو مقطّعة مربّعات، تتحوّل إلى قلبة أكمام، أو كشكش، أو بريم، أو كرافات، أو قبّة، أو جيوب. هكذا تروح تقصّ بالورب، أو بشكل نصف دائري أو مثلّث، فيما تشتعل وجنتا المسكينة كريمة بالدماء ويخرج الدخان من رأسها وهي تتندّم على لحظة قدومها إلى هذا الحيّ لتصير جارة أمّي "متفلسفة الأزياء".
***
قبل مضيّ أحد الشعانين إلى خواتيمه، وعودتنا إلى البيت للغداء مع من دعوناهم إلى المشاركة، وهم غالبا عمّتي الأرملة وعمّتي العزباء، لا بدّ لنا من اجتياز الامتحان الأخير، وهو وقوفنا بالترتيب من الأكبر إلى الأصغر سنّا لأخذ الصّورة التذكارية التي يلتقطها مصوّرٌ محترفٌ جوّال، أرمنيّ في أغلب الأحيان، لم أكن أفهم يوما كيف كان يهتدي إلى عناويننا لتسليم صوره التي تحتاج أياما لتظهيرها بالأبيض والأسود.
صورة أحد الشعانين، قبل أن يولد أخي الصغير، وأنا واقفةٌ أمام كنيسة مار يوسف على حافّة البكاء، بين أختيّ الكبيرتين الممسكتين بيديّ المرفوعتين عاليا. ثم صورة لنا نحن الثلاثة مع أخي نرتدي ثيابا هي نفسها تقريبا مع تنويعاتٍ مختلفةٍ، حتى لنبدو أشبه بفريق كرة قدم يشرف عليه مدرّب الفريق، أمي، وهي مصفّفة الشعر مع قلم "روج" فاتح على شفاهها، واقفةً وراءنا أو إلى جانبنا، وهي بالكاد تبرز ابتسامةً خفيفةً لا ينبغي أن تقلّل من وهج سطوتها وقوّة حضورها.
***
لم أحبب الأعياد أبدا. دائما كان هناك ما يكدّر مزاجي ويستدعي استياءً أو حزنا لا أدرك دائما مصدره. فإمّا هو الحذاء القاسي الذي أرتديه أول مرة، وإما هي الجوارب، أو الشمس التي تضرب عينيّ ورأسي، أو الشمعة التي يحرن فتيلها فلا تني تنطفئ، أو الشَّمع الساخن الذائب الذي يسقط عليّ من شموع الآخرين. لا أحبّها الأعياد، وأخشى الاعتراف أو التصريح لكائن من كان، فأمّي قد شقيت، وهي تباهي بأننا كنّا الأكثر شياكة وأناقة، وأبي يبتسم لنا ولها، أبي الغائب عن كل صور آحاد الشعانين لسببٍ لا أعرفه، وهو يروي لنا بوجهه الرَّحب الحنون كيف كان جدُّنا الأكبر يرتدي الأبيض في كل ذكرى، ليخرج محتفلا مع الأولاد المحتفلين، حتى بات لقبه ولقبنا "آل شعنين".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الصفعة التي صرعت حكومة دياب أمام المجتمع الدولي