أخبار عاجلة
العنصرية المقيمة -

تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

في تذكّر عبد العزيز الثعالبي مُجدّداً وإصلاحياً

في تذكّر عبد العزيز الثعالبي مُجدّداً وإصلاحياً
في تذكّر عبد العزيز الثعالبي مُجدّداً وإصلاحياً

إشترك في خدمة واتساب

تستمدّ شرعية السؤال أعلاه من ذكرى التأسيس، ومن دور الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الزعامي والتأسيسي في انبعاث الحزب الحرّ الدستوري التونسي، يوم 24 مارس/ آذار 1920، أول حزب يظهر في تونس، ومن أوائل الأحزاب العربية الحديثة بعد ظهور فكرة التنظيمات العثمانية، وفي ظل الاستعمار الأنجلو - فرنسي للوطن العربي. ويبدو الأمر مفارقاً، أن يكون الثعالبي مؤسس الحزب الدستوري التونسي، وفي الآن نفسه، يحظى سؤال استنطاق تجربته حول مدى دستوريته بشرعية محترمة، لما تعرّض له من تآمر وإقصاء وعدم اعتراف، ما يستدعي الوقوف عند سيرة الرجل الذي توفي في مطلع شهر أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1944، أي سنة قبل نهاية الحرب العالمية الثانية التي ستؤدي إلى تبدّل هيكلي في موازين القوى العالمية، ومستقبل المستعمرات القديمة وصعود القوى الجديدة.

بيوغرافيا الثعالبي، المولود في تونس سنة 1874، من أسرة أصولها جزائرية، تُخبر عن تجربة رجل عصامي، محدود التعليم، اكتفى بحفظ نصيبٍ من القرآن الكريم، وتعلم مبادئ اللغة العربية، في المرحلة الابتدائية، ثم التحق بجامع الزيتونة، وهو أهم مؤسسة علمية تونسية، وغادره من دون الحصول على شهادة التطويع التي كانت تتوج التكوين العلمي الزيتوني، قبل أن تستبدل بشهادة التحصيل سنة 1933.
لم يؤثر ذلك النقص العلمي على مسيرة الشيخ الثعالبي الذي تجلّت لديه عبقرية إنتاج الأفكار والكتابة والتأليف وابتكار المعنى مبكراً، حتى إنه أصدر سنة 1896، وهو في الثانية 
"جالس الثعالبي، في فترة النفي، عبدالرحمن الكواكبي، ومحمد رشيد رضا، والشيخ محمد عبده، وعلي يوسف"
والعشرين من عمره، صحيفة "سبيل الرشاد" التي أوقفت الإدارة الاستعمارية الفرنسية صدورها بعد سنة، لاختيارها نهجاً راديكالياً في التعامل مع المستعمر الفرنسي، على عكس صحيفة الحاضرة التي تأسست سنة 1888، من دون أن تنطفئ لديه جذوة الرغبة في إعادة بعثها، في المدن والعواصم العربية والإسلامية التي زارها الثعالبي، واختارها منفى له، لمّا أجبرته السلطات الفرنسية على مغادرة البلاد (1898 – 1904)، على غرار طرابلس والأستانة والقاهرة.
جالس الثعالبي، في أثناء تلك الفترة، رموز الإصلاح وحركة النهضة العربية المعاصرة، من أمثال عبد الرحمن الكواكبي ومحمد رشيد رضا والشيخ محمد عبده وعلي يوسف وغيرهم. وقد يكون تتلمذ على أيديهم، لحداثة سنه ونقاء خلفيته، وتأثّره بخطابهم، فمكّنوه من الحديث في منابرهم، والكتابة المنتظمة وغير المنتظمة في دورياتهم، وخصوصاً جريدة المؤيد التي كان يشرف عليها علي يوسف، المعروف بنزعته التحرّرية ضد الاحتلال البريطاني لمصر، ومجلة المنار التي أصدرها الشيخ رشيد رضا، وعُرفت بمنحاها الإصلاحي التجديدي في الإسلام.
ألّف الشيخ الثعالبي كتاب "روح التحرّر في القرآن"، مخطوطاً عربياً، وصدر في باريس بالفرنسية سنة 1905، بعد أن تولّى ترجمته الهادي السبعي وسيزار بن العطار، ثم أعاد نقله إلى العربية سنة 1984 حمادي الساحلي. واعتمد التمشّي نفسه في وضع كتاب "تونس 
"ألّف الثعالبي كتاب "روح التحرّر في القرآن"، وصدر في باريس بالفرنسية سنة 1905"
الشهيدة" الذي ترجمه إلى الفرنسية أحمد السقا وصدر في باريس سنة 1919، سنة قبل تأسيس الحزب الحر الدستوري. وبذلك يكون الثعالبي قد بلور رؤيته الإصلاحية القائمة على هرمونيطيقا قرآنية، تقطع مع مدونة فقهية عتيقة وشبكة صلحاء ومرابطين نافذة ومؤثرة، اجتمعتا على التصدّي لفكرة التقدّم والنهوض، مستنجداً بمنهج قوامه تحرير تونس، عبر الحد من آثار الاستعمار الفرنسي، وخصوصاً محاولة إلغاء أسسه القانونية المتمثلة في معاهدتي باردو 1881 والمرسى 1883، بمضامين حقوقية وإنسانية مستندة إلى الوطنية وحرية الأفراد والمساواة بينهم، متماهية مع روح العصر، وخصوصاً مبادئ الرئيس الأميركي ولسن، متقدماً في ذلك كله على من عاصروه ممن انتسبوا إلى فكرة التقدم الغربية، كالطاهر الحداد والحبيب بورقيبة.
دفع الثعالبي ضريبة أفكاره التحرّرية، المتمرّدة على سلطة شيوخ جامع الزيتونة التقليديين، وزعماء الزوايا والطرق الصوفية المحافظين، ومقاربته الحزبية والسياسية العصرية المُحدّثة، وتأسيسه الحركة الوطنية التونسية وقيادتها، ملاحقات وسجوناً ومعتقلات ومنافي، فهو الكاتب الصحافي والمفكّر ذائع الصيت، صاحب الأعمال الغزيرة، من قبيل مسألة المنبوذين في الهند، ومعجزة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتاريخ شمال أفريقيا، والرحلة اليمنية، وتاريخ الهند، وتاريخ الدولة الأموية، الذي درّس في جامعة بغداد، وصالح بين ملك المملكة العربية السعودية عبد العزيز آل سعود وحاكم اليمن الإمام يحيى، وأحد فرسان القضية الفلسطينية وكلمتها، بوصفه رئيس اللجنة العلمية لمؤتمر القدس سنة 1931 بعد أن كلّفه بذلك مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني.
عاد الثعالبي إلى تونس سنة 1937، بعد أن أنهى فترة منفاه التي بدأت سنة 1923، وفي أثناء هذه المدّة، انضم سنة 1933 إلى الحزب الحرّ الدستوري التونسي جماعة العمل التونسي، الذين أنهوا دراستهم في الجامعات الفرنسية، ومن أبرزهم محمود الماطري والحبيب 
"عاش الثعالبي مسيرة طويلة راوح فيها بين التجديد الفكري الإسلامي والإصلاح السياسي، والدعوة إلى تحرير تونس والمغرب العربي"
بورقيبة، لكن هذه المجموعة انشقت عن الحزب الأم بعد أقل من سنة، أي في مارس/ آذار 1934، وأسست الحزب الحرّ الدستوري الجديد الذي عُرف لاحقاً بالديوان السياسي.
حاول الثعالبي الذي تم استقباله شعبياً، بطريقة تليق بفكره المجدّد، وعمق نصوصه، وزعامته التاريخية للحركة الوطنية، إعادة الحزب الدستوري التونسي موحداً، كما تركه لحظة مغادرته تونس سنة 1923، ورأب الصدع ولملمة الانقسام بين اللجنة التنفيذية (الحزب القديم) وجماعة الديوان السياسي (الحزب الجديد)، مصرّحاً وقائلاً "أنا أب التونسيين جميعاً وسأستأنف مع الجميع العمل الذي تركته منذ خمسة عشر عاماً"، لكن محاولته فشلت، بعد أن استوفى كل إمكانات الحوار والوساطة ووحدة الطرفين، وحمّل مسؤولية ذلك الفشل إلى جماعة الديوان السياسي بزعامة الحبيب بورقيبة، بل ووصفهم في تقريره النهائي، المنشور في 30 سبتمبر/ أيلول 1937 تحت عنوان "الكلمة الحاسمة"، بأنهم "عصابة الديوان السياسي التي حرّضت على قتلي ببلد ماطر"، ونعتهم بأنهم "نكبوا الأمة في سياساتها، وطعنوها في سمعتها، وضحّوا بمصلحتها العليا في سبيل شهواتهم الدنيئة، وليس أنجع في مثل هذه المواقف من حكم الشعوب نفسها على المارقين منها والعاقين لها"، مخيّراً العودة إلى ممارسة نشاطه الفكري المحض الذي يقوم على الكتابة والتأليف والنشر وتنظيم محاضرة يلقيها أسبوعياً في بيته على مسامع نخب حاضرة تونس وطلبة جامع الزيتونة الأعظم، وذلك إلى حين وفاته سنة 1944.
وبعملية حسابية بسيطة، يكون الشيخ عبد العزيز الثعالبي قد قضى ثلاث سنوات حاملاً راية الفكرة الدستورية التي تبناها امتداداً لدعوة إصلاحية سالفة لإحياء دستور سنة 1861، أما بقية حياته، فقد أمضاها كاتباً صحافياً ومؤلفاً وباحثاً ومدرّساً ومحاضراً، وقد كان فكره ذا طبيعة إصلاحية شاملة، على قاعدة العروبة والإسلام، الثنائية المتلازمة التي لا تنفصم عراها أبداً. وقد استعاذ بذلك الانتماء واسع الجغرافيا وعميق التاريخ، كما ترجمه في رحلاته ومخطوطاته ومؤلفاته ومضامين تأويلاته، عن ضيق الانتماء السياسي، وسجن التنظيم الحزبي، حتى إن الزعيم صالح بن يوسف الذي خلفه في مرجعيته العروبية – الإسلامية، بعد الانفصال على بورقيبة وحزبه سنة 1955، أبّنه عند وفاته قائلاً "إنه أب للأمة وأب للوطنية"، وأشاد به في عيد العروبة سنة 1947، واصفاً إياه بالزعيم الخالد، وبأنه "أول من آمن بالوحدة العربية كوسيلة لإنقاذ العروبة".
عاش الثعالبي مسيرة طويلة راوح فيها بين التجديد الفكري الإسلامي والإصلاح السياسي، والدعوة إلى تحرير تونس والمغرب العربي، وسيكون من التعسّف على الرجل تحميله أوزار التجربة السياسية والحزبية الدستورية التي انخرط فيها سنة 1920 وغادرها سنة 1923.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الصفعة التي صرعت حكومة دياب أمام المجتمع الدولي