تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

رهاب البيت

رهاب البيت
رهاب البيت

إشترك في خدمة واتساب

هروبا من بطش الطبيعة الغادرة، لاذ الإنسان الأول بالكهوف، أملا بالنجاة، قادته غريزته إلى ذلك التدبير، لإدراكه المبكر عجزه، وقلة حيلته، إزاء غضبها وجبروتها. توارى هلعاً حين ثارت الزوابع واشتدت الأمطار، وفاضت الأنهار وجنت البحار. ظل الإنسان الأول ساكناً قابعاً بحذر، منتظراً رحيل الوحوش الضارية، لحظة يأسها من توفر طرائد محتملة. حماه الكهف الموصد من سطوة الشمس الحارقة، ومن برد الليالي القارس. وحين خرج للصيد في دروب محفوفة بالمخاطر، حيث اللاعودة الأكثر احتمالا، أودع الصغار وأمهم مطمئناً إلى أنهم في أمان. في الكهف، اهتدت البشرية إلى النار والزراعة والفنون، وبدأت في تشكيل الجماعة الإنسانية الأولى. من هناك بالضبط، نشأت فكرة البيت الذي اتخذ عبر العصور أشكالا مختلفة، وظل في جميع الأحوال رمزا للحماية والخصوصية والأمان والاستقرار والحرية، فأنت لا تكون نفسك تماما إلا بين جدران بيتك، تنزع أقنعتك وتتخفف من ضوابطك، فتعبر عن ذاتك من دون تحفظ أو رهبة. وعندما تقع في الغرام، سيكون أقصى أحلامك أن يضمك بيت مع من تحب. وحين يعتريك الحنين الذي يحرق الروح، فإنه سيكون إلى طفولتك في بيتك الأول، حيث الإحساس بالأمان والحب والدفء واليقين بأن الحياة ممكنة.

ومهما مر بك العمر، ستحتفظ في وجدانك بصورة بيتك الأول رديفا لمعنى السعادة المفقودة. تسعى، بحكم الاستمرار الطبيعي، إلى تكوين بيتٍ شبيه، تمنح فيه صغارك بكل ما أوتيت من طاقة على العطاء، البيت حلم وطموح وتوق ومعيار إنجاز وهوية، وهو بالأصل ملاذ ومحطة أخيرة في النهار. لعل في كارثة التي حلت فوق رؤوسنا جميعا، وأقعدتنا في البيوت، فرصة للتأمل العميق في علاقتنا ببيوتنا التي تصبح تشبهنا، مع مرور الوقت. ذلك أننا نضع فيها بصمة أرواحنا وروائحنا وصدى أصواتنا وذائقتنا وهواجسنا وأحلامنا ومخاوفنا، وكل ما له علاقة بنا من تفاصيل، غير أن عنصر الجبرية الذي اقترن بمكوثنا الكوروني في البيت تكشف، في بعض الحالات، عن حقائق لم يتح الانهماك اليومي الوقوف عليها.
نعم، يمقت كثيرون منا المكوث في البيت طويلا، على الرغم من توفر كل سبل العيش المطلوبة من كهرباء وماء وغذاء ودواء وخدمات إنترنت متوفرة على مدار الساعة. إذا، ما هو المرعب في البقاء أياما معدودات تفرضها الحقائق الطبية رغما عن الجميع، وقد بُحَّت حناجر المسؤولين والاختصاصيين في الحديث عن ضرورة الانعزال، إذا كنا نريد النجاة حقا؟ السر يكمن في الخراب الشامل المسكوت عنه في علاقات زوجية وأسرية كثيرة يمكن التحايل عليها في الظروف العادية بالانشغال، وتفادي المواجهة بين أطراف الخصومة. بات الأزواج في مواجهة مع أنفسهم ومع شركائهم، حيث لا مناص من الإقرار بحجم البرود والنفور والجفاء الذي يكتنف علاقاتهم، طلاقات صامتة تستمر سنين طويلة، لا يجري الإفصاح عنها في بيوتٍ تبدو من بعيد هانئة. يهرب الأبناء من جحيم البيت الصامت، وهم يضمرون رفضا وكراهيةً لفكرة الزواج من أصلها، والقرب ليس حجابا، كما قال ابن عربي، بل يتحوّل إلى امتحان عسير بشأن جدوى المضي في العلاقة الزوجية المهترئة التي مزقها الاعتياد والتكرار، عبر توالي الأيام، وحولها إلى عبء، وصليب يكسر الظهر، لا سبيل للتخلص منه، مراعاة للتقاليد وحفاظا شكليا على تماسك وهمي لأسرة مفكّكة، ومن يدري! لعله، في حالات أخرى، قد ينطوي على فرصةٍ لترميم ما انكسر. القرب ليس حجابا، يا سيدي ابن عربي، بل هو فضيحة وانكشاف شديد القسوة، ومواجهة مضنية مع الذات أولا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى يوم عون التاريخي: التخلص من "كابوس" رفيق الحريري