تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

العراق وتجارب كورونا

العراق وتجارب كورونا
العراق وتجارب كورونا

إشترك في خدمة واتساب

اتخذت حكومات كثيرة في العالم، في محاولاتها للحد من انتشار فيروس ، إجراءات متعددة، هدفت إلى تقييد حركة التنقل والتواصل المباشر بين الناس. وكانت هناك درجات متفاوتة من الاستجابة، حتى في الدول المتقدمة. أما العراق، فقد بات حالةً فريدةً في إطار التعامل مع الفيروس، وقد يكون مهماً متابعة تطورات الوضع فيه، بوصفه نموذجا لآليات انتشار الفيروس، فقد بلغ عدم الالتزام بتعليمات التباعد الاجتماعي والوقاية من الفيروس ذروته، في أداء مئات آلاف زيارة مرقد الإمام موسى الكاظم شمالي بغداد. والزيارة مناسبة سنوية مهمة عند المسلمين الشيعة، ومن الزيارات الجماعية التي يحرصون على القيام بها، وهناك غيرها من الزيارات الجماعية على مدار العام.

وقد أثارت الواقعة جدلا متعدّد المستويات، فقد انتقد كثيرون، حتى من الطائفة الشيعية، الزيارة وعدّوها نموذجا لعدم الاكتراث بالعلم، وانغماسا تاما في الإيمان بالغيبيات. حاول المنتقدون، وفيهم علمانيون ومتدينون، الاستعانة بتصريحات نسبت لبعض الزعماء الدينيين، لكن ذلك لم يثن الزائرين عن المضي في زيارتهم، معلنين أنهم يتحدّون الفيروس، ويستعينون بما يؤمنون به من أن بركة الإمام قادرة على حفظهم وشفائهم، ومسلّمين في النهاية بقدرهم. كان ذلك الجدل صورة أخرى للجدل التاريخي بين العلم والإيمان، وبين التدين الشعبي والتدين الأكثر عقلانية. وهو جدل حاضر في كل العالم، لكنه في العراق يتخذ طابعا أكثر خصوصية، يتعلق 
"الزيارات يتم توظيفها سياسياً، وانحسارها قد يؤدي إلى أزمة كبرى بالنسبة للقوى الدينية – السياسية"
بالطقوس الدينية الجماعية، فموضوع الزيارات تحديدا يتم توظيفه سياسيا، وقد يؤدي انحسار تلك الزيارات إلى أزمة كبرى بالنسبة للقوى الدينية - السياسية، فقد تصاعد قلق الأوساط الدينية العراقية، الشيعية تحديدا، في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، عندما انحسر عدد الزوار بشدة ووضوح، بالتزامن مع صعود شعبية الحزب الشيوعي العراقي، وازدياد أنصاره. وقد بدأ العمل، إثر ذلك، سياسيا واجتماعيا، على مواجهة ما سمي المد الشيوعي الذي كان كبيرا فعلا في العراق. وتحت حكم حزب البعث، استمرت الزيارات، ولكنها كانت تجري وسط تأهب أمني للسلطات.
هناك اليوم في العراق مواجهة بين الفكرين، الديني والعلماني، ولكن المواجهة مع فيروس كورونا تحظى طبعا باهتمام أكبر. تحول العراق فعليا إلى واحدٍ من أكبر ساحات التجارب في قضية انتشار الفيروس بين المجتمعات، فعملياً سار التعامل العراقي مع الفيروس تماما على عكس المطلوب، في كل النقاط التي أوصى بها الأطباء في كل العالم، فبدلا من تجنب التجمعات كان هناك تنظيم وانخراط في التجمعات، وأهمها وأكبرها زيارة الإمام الكاظم التي لم تكن تجمعا واحدا، بل تجمعات متنقلة، تتوقف وتسير بين المناطق والمدن ذهابا وإيابا.

وإلى ذلك، يواجه النظام الصحي العراقي أزمة كورونا، وهو في وضع مزر، عبّر عنه وزير الصحة، جعفر علاوي، في قوله إن مستوى الخدمات الصحية في بلاده قريب مما في الصومال. والفرق كبير بين الإمكانات الاقتصادية في كل من العراق والصومال، فالعراق من أكبر مصدّري النفط في العالم، ودخلت خزانته مئات مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة، عائدات لتصديره النفط، ولكن كل تلك الواردات لم تنعكس على قطاع الصحة، ولا على قطاعات الخدمات الأساسية الأخرى.

ومن المفترض أن تتضح صورة الوضع الصحي بشأن كورونا في العراق بعد أيام، إذ أن حضانة الفيروس، كما بات معلوما، تمتد من أسبوع إلى أسبوعين، فبينما يلوّح منتقدو زيارة مرقد الإمام موسى الكاظم، والتجمعات، بآثار مأساوية ستأتي، لا يكترث آخرون بذلك. والمهم هو معرفة ما سيحصل بصورة دقيقة، ولكن هل هذا ممكن، في ظل وضع القطاع الصحي، والحكومي عموما في العراق؟ الجواب المرجح هو النفي، إذ يعاني العراق من ضعف إمكاناته في مجال المختبرات، ما يجعل من الصعب حصر الحالات وعددها وطبيعتها بدقة، ولكن أي زيادة أكبر من المألوف، إن حصلت، فستظهر بشكل أو بآخر.
بدأت السلطات العراقية، بعد نهاية تلك الزيارة، في تطبيق أكثر صرامة لحظر التجول، وبات الالتزام به أكبر في معظم أنحاء البلاد. هل سيكون ذلك كافيا، وقد جاء متأخرا؟ سيجعل هذا التفاوت من الصعب دراسة حالة العراق. هناك أيضا عامل الفساد الكبير الذي يجعل من عملية حصر البيانات وإحصائها صعبا. ولكن قد يكون للمنظمات الدولية الموجودة في العراق دور 
"بعد زيارة الإمام موسى الكاظم، بدأت السلطات بتطبيق أكثر صرامة لحظر التجول، وبات الالتزام به أكبر في معظم أنحاء البلاد"
في الوصول إلى درجة مفيدة من الفهم.
مهما كانت النتائج التي ستترتب على عدم اكتراث العراقيين بإجراءات الوقاية من كورونا، فإنها ستأتي مع وضع اقتصادي صعب يواجهه العراق، إذ يستمر انهيار أسعار النفط العالمية، إثر حرب الأسعار التي أشعلتها السعودية، وتزامنت مع بدء أزمة فيروس كورونا، ما ينذر باحتمال أن تتوقف قدرة الحكومة العراقية على دفع مرتبات موظفيها بانتظام.
يجري ذلك كله في أجواء أزمة سياسية مستمرة في العراق، فقد تم تعيين  محافظ النجف السابق عدنان الزرفي، رئيساً للوزراء، في ظل انقسام داخل صفوف القوى السياسية الشيعية. ومنصب رئيس الوزراء كما هو معلوم يتقلده الشيعة في العراق. ومن غير المتوقع أن يحظى الرجل، في النهاية، بتأييد في مجلس النواب. ومن الوارد جدا أن يسقط ترشيحه، وتستمر حكومة عادل عبد المهدي لتصريف للأعمال. ولكن مهما جرت الأمور على الصعيد السياسي، يواجه العراق أزمة كورونا وتبعاتها في ظل وضع مضطرب مليء بالأزمات الأخرى التي ستبقى، حتى وإن كان العراق محظوظا وتجاوز أزمة كورونا بخسائر قليلة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الصفعة التي صرعت حكومة دياب أمام المجتمع الدولي