تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

الطاعون الأسود وكورونا والنقاط الفاصلة

الطاعون الأسود وكورونا والنقاط الفاصلة
الطاعون الأسود وكورونا والنقاط الفاصلة

إشترك في خدمة واتساب

استهان كثيرون بوباء ، حتى استيقظنا على تلك الكارثة، وذلك الموت الذي يصعب إيقافه. في المقابل، كانت هناك تنظيرات خيالية، ولكن أكثرها شطحا لم يتوقع حدوث ما يحدث الآن. ينظّر بعضهم لفكرة أن الطبيعة تحاول إنقاذ كوكب الأرض من خطر البشر، وما يحدث يعتبر ضمن دورة الحياة الطبيعية، وحدث مثله قديما عدة مرات.

في بلادنا العربية، بعضهم غير مدرك حجم الكارثة، وبعض الحكومات تدمن الكذب وإخفاء المعلومة، وهناك حالة من الترصّد ناتجة عن غياب الثقة. في مصر مثلا، كان هناك بعض التعتيم، حتى بدأ الإعلان فجأة عن الإصابات والوفيات، وأخيرا تم الإعلان عن وفاة اثنين من قادة الجيش المصري أصيبا بكورونا، ولم يتم شرح حدوث ذلك ومتى، وما إذا كان هناك حالات أخرى داخل الجيش، الأمر الذي يعد من الأسرار العسكرية التي لا يجب الإفصاح عنها بدون سبب مقنع. السلطة وقنواتها لا تفصح كثيرا، في حين أن القنوات الإعلامية المحسوبة على الإخوان المسلمين تضخّم كثيرا وتبالغ، وتزدحم مواقع التواصل الاجتماعي بعدد ضخم من الشائعات وقصص التهويل، وتزدحم بروايات تمجيد السلطة وأننا الأفضل في العالم، وهناك من لا يزال يروج خرافات المؤامرة الأميركية.
ينشط التلاسن والترصد والتشاحن بين أنصار السلطة والمجموعات المعارضة في مصر. وتحتد أزمة الثقة الموجودة، وكذا مشاعر الغضب والقهر الموجودة لدى من لديهم أصدقاء أو أبناء أو بنات في السجون، وأنا منهم، ولا يمكن لواحدنا إلا أن يتفهم مشاعر الرعب لدى أهالي من هم في السجون من احتمال انتشار الوباء في الداخل، ولكن لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا في اللحظة الفارقة، فالوباء لن يفرق بين حاكم ومحكوم، أو بين مؤيد ومعارض، أو بين شرطي 
"لا يمكن لواحدنا إلا أن يتفهم مشاعر الرعب لدى أهالي من هم في السجون من احتمال انتشار الوباء في الداخل"
وسجين.
وعلى الرغم من ملاحظات كثيرة، مثل غياب الاستعداد الكافي قبل اتخاذ قرار حظر التجوال أو تأجيل الامتحانات أو غياب ثقافة البحث العلمي في النظام التعليمي المصري، وكذلك الملاحظات على تطبيق الحظر والتعامل الأمني مع المخالفين، إلا أن كثيرا من تلك الإجراءات موفقة. ويبدو أنه أصبح هناك وعي وإدراك لخطورة الوضع لدى القائمين على السلطة، خصوصا مع إدراك مدى ضعف المنظومة الصحية في مصر وهشاشتها، فقد انهارت منظومات صحية لدول متقدمة أمام سرعة انتشار الوباء، فلك أن تتخيّل كيف ستكون المأساة في دول تعاني من تردّي المنظومة الصحية، وأتمنى أن يتراجع القائمون على السلطة عن ذلك العناد في موضوع الإفراج عن السجناء السياسيين، قبل أن تكون هناك كارثة جديدة.
وفي الوضع الدولي، لا أحد يمكنه التكهن بما سيحدث، ولكن الأكيد أن تغيرا كبيرا سيحدث في النظام العالمي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهناك توقعات أن الأزمة الاقتصادية والكساد الذي سيحدث سيفوقان ما حدث في العام 2008، كما أن هناك تحليلات كثيرة ترصد تراجع دور الولايات المتحدة والغرب في قيادة العالم في تلك الأزمة، بسبب حماقة الرئيس الأميركي، ترامب، وأنانية كثيرين من قادة أوروبا، في حين يمكن رصد الدورين، الروسي والصيني، الإيجابيين، أخيرا في التعاطي مع تلك الأزمة.
ويمكن النظر إلى فترة الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر، كانت بدايته في الصين وسهول آسيا الوسطى، وانتقل مع التجار خلال طريق الحرير، ثم كان غزو المغول الذي أدّى إلى 
"هنالك توقعات أن الأزمة الاقتصادية والكساد الذي سيحدث سيفوقان ما حدث في العام 2008"
مجاعةٍ واسعة النطاق. ورجحت تقديرات موت ثلث سكان الصين نتيجة الطاعون الذي انتقل إلى شرق أوروبا وجنوبها، وكان الموت ينتشر سريعا بدون سبب مفهوم في ذلك الوقت. واعتبر بعضهم ما حدث عقابا من السماء وغضبا من الله. وفي أوروبا، يقول مؤرخون إن نحو نصف سكان القارّة قد ماتوا خلال أربع سنوات، وكانت النسبة الكبرى من الوفيات بسبب الطاعون في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وجنوب المتوسط، فقد مات ما يقرب من 70% إلى 80% من عدد السكان. وتزعم روايات تاريخية أن الوفيات في مصر وصلت إلى 40% من إجمالي عدد السكان في ذلك الوقت.
وقد أدى ذلك الطاعون الأسود إلى تغييرات اقتصادية وسياسية كبيرة، فقد حدث نقص كبير في العمالة في أوروبا، نتيجته مع إبادة تلك الأعداد المهولة. وفي إنكلترا، حدث انهيار كبير وتوقف لمعظم أشكال الحياة، وقد حاول الملك إدوارد الثالث علاج ذلك بفرض قانون جديد أدّى إلى ثورة كبيرة في ذلك الوقت، فقد كان النظام السياسي والاقتصادي يقوم على الإقطاع وسلطات اللوردات وإقطاعياتهم التي يعمل فيها الفلاحون (والأقنان)، وهو نظام يشبه العبودية بشكل كبير. ولكن مع موت أعداد مهولة من الفلاحين والأقنان، رفض من بقوا على قيد الحياة أن يعملوا بالشروط السابقة نفسها، وطالبوا بأجور أكبر من أجل العمل في الإقطاعيات، كما كانت هناك فرصة للتملك في مناطق أخرى، فاستطاع بعض الفلاحين تملك أراضٍ جديدة، بشروط أقل حدة من سابقتها، وهو ما استدعى من الملك وضع قانونٍ يحاول تشديد الشروط مرة أخرى، وتقليل الأجور، وفرض ضرائب وغرامات جديدة، من أجل فرض سيطرته واستعادة زمام الأمور. وترتبت على ذلك إجراءات قاسية وعنيفة، أدت إلى ثورة عام 1381 بقيادة وات تايلر، تم قمعها بقسوة ودموية. وعلى الرغم من ذلك، تحول النظام الاقتصادي تدريجيا إلى مزيد من الحرية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأصبح النظام الذي يشبه الاستعباد غير قابل للتطبيق.
ولذلك، يمكن القول إن وباء الطاعون في القرن الرابع عشر كان منعطفًا حاسمًا ونقطة فاصلة، فموت السكان ونقص العمالة أعطيا العمال والفلاحين في بريطانيا قوة تفاوضية، استطاعوا البناء عليها في القرون المتعاقبة. ولم تفلح جهود السلطة في إنكلترا وباقي ممالك أوروبا في وقف ذلك التغيير الاجتماعي، وقد استمر الحراك الاجتماعي تدريجيا، حتى كانت الثورة المجيدة في إنكلترا في القرن السابع عشر، وهي ما ترتب عليها كثير بعد ذلك. ولكن ذلك لم يحدث في كل دول أوروبا، ففي شرق أوروبا وروسيا استطاع الملوك والنبلاء أن ينتصروا في ذلك الصراع، بعد أن كثّفوا سيطرتهم، واستطاعوا أن يعيدوا نفوذهم على المزارعين بعد الأزمة، ما جعل النظام الشمولي هناك يستمر فترات طويلة بخلاف غرب أوروبا، إلا أن هذا قد يفسر لماذا تأخرت شرق أوروبا عن غربها في التقدم العلمي أو الاقتصادي أو في تطبيق الديمقراطية، فقد كان للطاعون الأسود دور كبير في تخفيف قبضة الدولة، ما سمح بمزيد من التقدم في المجال العلمي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي في الغرب مقارنة بالشرق، فالاختراعات التي غيرت البشرية، مثل المحرك البخاري وآلات الغزل والمطبعة، لم تكن ترى النور في ظل نظم 
"موت السكان ونقص العمالة نتيجة الطاعون في القرن 14 أعطيا العمال والفلاحين في بريطانيا قوة تفاوضية"
الإدارة التي كانت في غرب أوروبا قبل الطاعون الأسود.
وعودة إلى عهد كورونا، لن يكون الوضع الدولي بعد انتهائه كما كان، وهناك كتابات وتكهنات بأن جائحة كورونا قد تغير شكل النسق الدولي تماما، خصوصا مع إخفاق الولايات المتحدة وتميز الصين في معالجة الأمر، وهناك من هو أكثر تفاؤلا أو خيالا، ويتوقع تغييرا شاملا في النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما حدث بعد الطاعون الأسود. وهناك آراء أكثر واقعية ترجح أن التغيير سيكون متفاوتا من مكان إلى آخر، كما كان هناك فرق بين شرق أوروبا وغربها بعد الطاعون الأسود، فقد يحدث في أوروبا والولايات المتحدة تغير كبير في النظامين، الاقتصادي والاجتماعي، بعد النسب الكبيرة من الوفيات. أما في دول الشرق الأوسط فقد يحدث هزة كبرى في المنظومة الحاكمة لعدة دول. ولكن بعد مرور الأزمة سوف تستعيد السلطويات قوتها، وتكون أكثر وحشية.
لا يبدو أن الجائحة ستنتهي قريبا، ولا يستطيع أحد توقع النتائج، ولكن من المؤكد أن العالم لن يكون قرية صغيرة كما كان. وربما يصبح الوضع أكثر رعبا كما شاهدنا في بعض أفلام الرعب والتشويق عن نهاية العالم وفناء البشرية ودمار الكوكب، وربما تحمي الطبيعة نفسها من البشر الذين أوشكوا على تدمير كوكب الأرض.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الصفعة التي صرعت حكومة دياب أمام المجتمع الدولي