أخبار عاجلة
البعريني: معدل الفقر سيرتفع إلى 45% هذا العام  -
هكذا رفض البرازيليون التلقيح وأحرقوا عاصمتهم! -

تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

نحن وكورونا والخوف والعدالة

نحن وكورونا والخوف والعدالة
نحن وكورونا والخوف والعدالة

إشترك في خدمة واتساب

الخوف حالة إنسانية طبيعية، فأي حدث جلل يهدّد حياة البشر يجعلهم يخافون، وإن اختلفت درجة الخوف من إنسان إلى آخر، من القلق وصولاً إلى الهلع. والخوف من الموت طبيعة بشرية في الأيام العادية، من دون أن يكون هناك مرض معدٍ في المحيط، ومن دون التعرّض لحادث مروري مريع، ومن دون قذائف تسقط على رؤوس الناس. على الرغم من هذا الخوف، يمارس البشر حياتهم، وفي الحياة العادية، الناس يموتون أيضاً من الأمراض، ومن حوادث السير، ومن الحروب والنزاعات الأهلية. الموت مجاور لنا طوال الوقت، هو جزء أساسي من الحياة، ولا تكون بدونه، والحياة تعرَّف بنقيضها الموت. في مواجهة الموت، يجب اتخاذ إجراءات للحماية، كما في وسائل النقل التي تحاول حماية الركاب من الحوادث المتوقعة، أو وقائية من أمراض معدية، موجودة في كل وقت، في هذا المكان أو ذاك، وتزداد أهمية هذه الإجراءات الوقائية كلما كانت إمكانية الإصابة بالمرض أكبر. ولأن الوقاية من الأمراض المعدية مطلب أساسي، تزيد أهميتها مع تفشي فيروس الذي يجتاح العالم اليوم. وهناك ضرورة لحماية الفئات الأضعف من العدوى، لأن خطر إصابتهم مميت. 

هذا كله وغيره مهم وضروري، ولا يمكن التعامل مع كورونا بعدم مبالاة. ولكن الهلع الذي يعيشه العالم يضع إشارة استفهام كبيرة بشأن هشاشة الكائن البشري وهشاشة الحياة الحديثة. لقد شلَّ الفيروس العالم، وأغلق بلداناً ومدناً أُعلن فيها حظر، وأغلق مدناً أخرى، ساد فيها حظر 
"الموت جزء من الحياة، وكورونا يضيف سبباً جديداً للموت بين أسباب كثيرة"
التجول من دون إعلان. كما شكل انتشار الفيروس سابقة في العالم بشأن الدور الهائل لشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام في إشاعة حالة الهلع السائدة في كل مكان، فهي تضُخ كمية هائلة من المعلومات الحقيقية والمزيفة التي لا يستطيع المتلقّون فرزها، وفي حاله الهلع تصبح المعلومات الخاطئة قابلة للتصديق أكثر من أوقات أخرى. لذلك، نجد اليوم من يشرب الكلور من أجل حماية نفسه من الفيروس، فيتسبب لنفسه بمشكلات صحية أخرى جرّاء خوفه، أو يأكل من الثوم ما يجعله يذهب إلى المشفى بحالة أخطر من إصابته بالفيروس. وغيرها من السلوكيات الغريبة جراء الهلع. وثمّة خطابات السياسيين واستعراضاتهم وتهويل الحالة بوصفها حرباً، فقد كرّر الرئيس الفرنسي، ماكرون، مرات، في خطابه المتلفز قبل أيام، القول "نحن في حرب صحية" ضد فيروس كورونا. يزيد هذا النوع من التهويل الهلع الذي يعيشه المواطن العادي.
يظهر فيروس كورونا بوصفه تحدّياً عالمياً، تحدّياً للجميع، لأنه لا يفرّق بين الدول الفقيرة والغنية، أو بين الأفراد الفقراء والأغنياء أيضاً، فهو يصيب الجميع في كل أقطار العالم. ولذلك، ستكون مواجهته من مسؤولية الجميع. والسؤال الذي يقفز فوراً ماذا تعني كلمة "الجميع"؟
بالتأكيد، الخطر واحد، ولكن إمكانية اتخاذ إجراءات وقائية واحدة في كل مكان غير واقعية، فالمعايير والمتطلبات التي تتحدّث عنها منظمة الصحة العالمية يمكن تطبيقها في الدول الأوروبية والدول المصنفة غنية. أما في الدول الفقيرة أو المناطق الفقيرة، فالالتزام بهذه التعليمات مطلب مشكوك في إمكانية تنفيذه، ويكاد يكون مستحيلاً، فلا يمكن ممارسة العزل في المناطق المكتظة، 
"يشيع في الإعلام أن البشر يكادون لا يموتون سوى بكورونا، فيما الموت يحصد آلاف الأرواح يومياً لأسباب عديدة"
حيث يعيش كل أفراد الأسرة ما بين خمسة وعشرة أعضاء في غرفة واحدة، أين يمكن عزل المريض في هذه الحالة؟ وأكثر من هذا، كيف يمكن للأماكن التي تعاني من شحّ في الماء أن يغسل أفراد العائلة أيديهم طوال اليوم؟ وهناك عائلات ليس لها القدرة على شراء الصابون للقيام بالحدّ الأدنى من الوقاية. وماذا يفعل الذين لا يحصلون على ماء نظيف، الماء نفسه مسبب للأمراض القاتلة في مناطقهم؟ وحسب منظمة الصحة العالمية، هناك 1.8 مليار شخص يستخدم مصادر مياه الشرب الملوثة بالبراز، فأي وقاية سيقوم بها الذين يقبعون في قاع الفقر العالمي، وإذا كانت هذه هي المياه التي يشربونها، بأي مياه سيغسلون أيديهم من أجل تطهيرها؟ نعم، هناك ملايين البشر في هذا العالم لا تملك ترف غسل أيديها، حسب تقرير لشبكة BBC البريطانية. في هذه الأماكن، لا وجود للفئات الضعيفة، لسبب بسيط، وهو أن هؤلاء لا يملكون ترف المعالجات مرتفعة الكلفة، وهم غير قادرين على دفع كلفة عمليات القلب المفتوح، أو الجراحات السرطانية، أو كلفة العمليات الجراحية الخطرة. هؤلاء يموتون بأمراض أقل من ذلك، الملاريا والتهاب الكبد الوبائي وفقر الدم، وغيرها من أمراض الفقراء. ولذلك متوسط أعمار هذه الفئات الاجتماعية أقل بكثير من متوسط أعمار البشر في الدول الأوروبية.
في أوضاع العالم المشلول بسبب كورونا اليوم، يشعر المرء بالحزن على الذين يقضون بالفيروس، وبالغضب، لأن أناساً آخرين شركاء لنا على هذا الكوكب لا يملكون حماية أنفسهم، ليس من هذا الفيروس فقط، بل أيضاً من أمراض أقدم منه اختفت من أماكن أخرى في العالم. الغضب من عالم يعيش نقصاً مفرط بالعدالة بين الأفراد وبين الدول.
ملاحظة أخيرة، يشيع في الإعلام أن البشر يكادون لا يموتون سوى بكورونا، فيما الموت يحصد آلاف الأرواح يومياً لأسباب عديدة. بالطبع، أي وفاة لأي شخص محزنة، لكن الموت جزء من الحياة، وكورونا، على خطره، يضيف سبباً جديداً للموت بين أسباب كثيرة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الصفعة التي صرعت حكومة دياب أمام المجتمع الدولي