في رهانات الحكومة اللبنانية

في رهانات الحكومة اللبنانية
في رهانات الحكومة اللبنانية

إشترك في خدمة واتساب

قال الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني، جورج حاوي، والذي اغتيل في عام 2005، إن الطبقة السياسية اللبنانية أذلت واللبنانيين بانصياعها وتذللها للعسكر والأمن السوريين، نزولاً عند مصالحها الضيقة، و"تستحق هذه المعاملة التي كانت ترضى بها مقابل السكوت عن منافعها وسرقاتها ونهبها لخيرات هذا البلد..". وقال كلاماً آخر استهجن فيه الكيفية التي كان الضباط السوريون يخاطبون بها أفراد تلك الطبقة من وزراء ونواب ورؤساء لهم. إذ جاء على مفردات الضباط السوقية التي لا يليق ذكرها هنا، ولعلَّ الرجل دفع حياته، فيما بعد، ثمناً لآرائه ومواقفه. 

أما أفعال تلك الطبقة اللبنانية الذليلة فهي التي قادت البلاد إلى ما آلت إليه، فحرمت اللبناني من أبسط ضرورات الحياة، إلى جانب بطالةٍ لم تشهدها سوق العمل اللبنانية، ورافق ذلك ضعف القيمة الشرائية لليرة اللبنانية، ما شكّل مستنداً ملموساً لحالةٍ تفتحت معها أذهان الأجيال الجديدة المتضرّرة، فاستدعت ثورة الشباب نقمة على أوضاع لم تعد تحتمل، إذ طفح الكيل، فخرج هؤلاء الشباب في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 يرفعون شعاراً وحيداً، يأملون منه اقتلاع تلك الطبقة المتهمة بالفساد وسرقة المال العام من جذورها، وتكون مقدّمة لإيجاد حلول لمشكلات الشعب اللبناني التي تتكاثر وتنتشر كسرطان خبيث، وأما الحلول فلا يمكن لها أن ترى النور، بحسب الشباب، وصانعوها جاثمون على صدر الشعب ثلاثين عاماً وأكثر.. ومن هنا، جاء ذلك الشعار منسجماً مع واقع الحال اللبنانية، ومتساوقاً مع ما يحصل في المنطقة العربية من أحداثٍ تسعى إلى بناءٍ جديدٍ يقوم على المواطنة الحقّة، ويتوافق مع روح العصر. ولكن، وكما العادة في كل الانقلابات المفصلية، لا تتخلّى الطبقة الحاكمة عن امتيازاتها بسهولة، بل لديها من الأنانية والاستعداد لارتكاب أبشع الجرائم في سبيل المحافظة على تلك الامتيازات، خصوصاً حين ترى 
"سيبقى الشارع على غليانه، وتبقى القوى النافذة في لبنان تلعب إلى أن تكتمل عوامل إسقاطها"
أن من يقف أمامها أعزلَ لا يملك غير صوت يجهر، من خلاله، بحقوقه. ولكن ذلك الصوت أرعب تلك الطبقة، إذ اهتزت قلوبهم لدى شعورهم باهتزاز الكراسي من تحتهم، واستمرت الحال ثلاثة أشهر، استخدمت فيها وسائل الردع كلها.. كلاماً وأفعالاً ووعوداً، وصولاً إلى تشكيل الحكومة قبل أيام، بعد أن كانت ثورة الشباب قد خلخلت صفوف تلك الطبقة، ذات الروابط الهشّة القائمة على اقتسام خيرات البلاد كما أشير. ولكن تلك الحكومة المنتظرة، وبعد مئة يوم من الاحتجاجات، جاءت فارغة اليدين، لا تعد بشيء. وعلى العكس، بدلاً من أن تعلن عن تطميناتٍ للمتظاهرين باتخاذ إجراءات سريعة زادت من قوات الأمن وضاعفت من استخداماتها القمعية، وبذلك كشفت عن حقيقة تركيبتها، وعن نوايا من ساهم في تشكيلها. وعلى الرغم من ذلك، فإنها تصر على وصف نفسها مستقلة، وأنها تكنوقراط فعلاً، وتعكس رغبة الشارع اللبناني، في وقتٍ ترفض أغلبية الشارع اللبناني المطلقة هذه الحكومة، إذ لا تلبي جوهر مطالبه، فيما تقف التيارات التي لم تساهم في الحكومة موقفاً دبلوماسياً بالقول: دعونا نعطها فرصة. ما يعني أنهم على قناعة بفشلها، أو لسان حالهم يدعو عليها بالفشل.
وبغض النظر عن اختباء الحكومة خلف زيادة نسبة تمثيل المرأة إلى ست نساء، أي بنسبةٍ افتقرت إليها الحكومات العربية كلها، وهي وإن تناغمت مع كثرة النساء اللبنانيات اللواتي نزلن إلى الشارع، وزاولن دورهن المؤثر في مجمل الحراك الشعبي، إلا أنها رسالةٌ واضحة إلى الأوروبيين، تدعوهم إلى الوقوف إلى جانب لبنان الحضاري.
قال وزير الداخلية في الحكومة اللبنانية الجديدة، محمد فهمي، وهو ضابط سابق، موارباً، إن هذه الحكومة ترضي الشارع المتظاهر بنسبة %80 إلى 85%، أما من تبقوا فهم مجموعة من المشاغبين. وواضح أنَّ هذا الكلام يشير إلى نية الوزير في قمع المتظاهرين، وقد فعل ذلك مع ذكرى احتفال الشباب بمرور مئة يوم على انطلاقتهم. كما ينطوي تصريحه على أن هذه الحكومة هي لترسيخ ما مضى، وتحد لكل ما يطالب به الشارع، ولبقية القوى السياسية التي لم تشارك في الحكومة. كما أنَّ معظم تصريحات لبقية أعضاء الحكومة لم تقترب من معاناة الشارع اللبناني، حتى إن البيان الوزاري الذي جرى الحديث عن سرعة تقديمه إلى المجلس النيابي، وطلب التصديق عليه، فإن وزيرة الإعلام قالت كلاماً غير محدّد، ولم تعط موعداً لإنجاز مصادقة المجلس على البيان. وما حصل فعلاً هو زيادة عدد القوى الأمنية لمجابهة المتظاهرين ومحاصرتهم.!
وتبقى انتفاضة الشباب أكبر مما يتعاطى معها جهابذة الوضع السابق، وأعمق من إدراكهم 
"زيادة نسبة تمثيل المرأة إلى ست نساء، رسالةٌ واضحة إلى الأوروبيين، تدعوهم إلى الوقوف إلى جانب لبنان الحضاري"
طبيعتها، إذ إن جوهرها وقوتها إنما يأتيان من أنها ثورة سياسية تتعلق بهوية الوطن والمواطن التي شوهتها تلك الطبقة الحاكمة بارتهانها لمصالحها أولاً وللخارج ثانياً. وهي تؤذن بمرحلةٍ جديدةٍ يصعب على الطبقة القديمة استيعابها، أو التعاطي معها لأنها، بكلمة، تتناقض معها كلياً.
ولو كانت الحكومة الجديدة جدّية، ومستقلة، وأن عملها غير مرتبطٍ بأية جهة سياسية، وتنتمي فعلاً إلى المستقبل اللبناني، لعرفت طريقها إلى أمر ملحّ، وهو الوقوف في وجه الكارثة الاقتصادية، أو تجميدها على الأقل، وذلك ممكنٌ بالإعلان عن خطواتٍ جدّية قادمة لمعالجة بعض القضايا الملحّة، ومنها: البدء بالعمل على استعادة الأموال المنهوبة، وهي بمليارات الدولارات، وفتح ملفات الفساد الموجودة في القصر الجمهوري، فهذان الأمران كفيلان بإعطائها المصداقية، ويكسبانها شرعيتها ويهدّئان الشارع. ويعطيان، وهذا مهم ومطلوب، مصداقيةً لكل من يريد مد يد العون إلى لبنان، وفق القواعد التي تحكم العلاقات اللبنانية اليوم، وكذلك للأوروبيين والأميركان الذين ينتظرون إصلاحاتٍ فعلية، كما أشارت إلى ذلك تصريحات وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون. ولكن هل هي قادرة على ذلك؟ لا يُعتقد ذلك، فالكل متورط، ولذلك سيبقى الشارع على غليانه، وتبقى القوى النافذة في لبنان تلعب إلى أن تكتمل عوامل إسقاطها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى أبرتهايد بمبادرة أميركية