خطر تأجير البندقية

خطر تأجير البندقية
خطر تأجير البندقية

إشترك في خدمة واتساب

فلنتفق على أنّ لا ثورة مسلحة محصّنة تلقائياً، بالفطرة، من خطر تحوّل سلاحها إلى بندقية للإيجار، فحين يدبّ التعب واليأس ويتغول التكالب العالمي وتطغى الإرادات الخارجية على البوصلة والبرنامج المحليين، وحين تندر الشخصيات الوطنية القيادية، يصبح الاستسلام الكامل لوكيل خارجي، يدّعي احتضان الثورة، أسهل الطرق لإنكار الخسارة. حتى الثورة الفلسطينية تحولت فصائل منها إلى بنادق للإيجار لمجموعة من الأنظمة العربية التي كانت تقتل فلسطينياً بيد، وتموّل فلسطينياً آخر بيد أخرى.

مناسبة الحديث هي التقارير الإعلامية ــ السياسية التي تتهم تركيا بإرسال مقاتلين سوريين تابعين لها ليحاربوا بالنيابة عنها في ليبيا، انتصاراً لحكومة فائز السراج ضد الغزو المدعوم مصرياً وإماراتياً وروسياً وفرنسياً وسعودياً... لكن يُمنع صدّه بمساعدة تركية، وإلا يصبح هناك تدخل خارجي! ورواية أن هناك مقاتلين سوريين عديدهم 300 مسلح في طرابلس، تبدو ضعيفة، حتى من دون امتلاك معلومات تؤكد الاحتمال غير المستحيل نظرياً، أو تكذبه، تماماً كما ظهر ضعف روايات عديدة قدّمها المرصد السوري لحقوق الانسان طوال سنوات الحرب السورية، وهو المرصد نفسه مصدر "الوشاية" التي تحولت حملة سياسية يترجمها الإعلام السعودي ــ الإماراتي ــ المصري بما لا يخذلنا في مستوى انحطاطه.
ليست الرواية ضعيفة لأن المقاتلين السوريين منزّهون عن التحول إلى بندقية للإيجار لفائدة تركيا في هذه الحالة، بل أولاً لأنه ليس لدى مسلحي الحكومة الليبية نقص في عديد المحاربين، بل في السلاح النوعي الضروري لصدّ الذخيرة العالمية الموضوعة بتصرف خليفة حفتر. وثانياً لأن التدخل العسكري التركي في ليبيا، إن حصل، فهو يُتوقع أن يكون من النوع الذي يُحدِث توازناً عسكرياً في الجو وفي البحر قبل البرّ. وربما لأن الرواية بدت ركيكة، انتهزت وكالة رويترز الفرصة الصحافية لتضرب ضربتها، فنقلت عن "أربعة مصادر تركية" قولهم (بتصرّف) يوم الإثنين إن تركيا "تدرس إرسال مقاتلين سوريين متحالفين معها إلى ليبيا في إطار دعمها العسكري المزمع لحكومة الوفاق الوطني (...)"، مع التشديد على أن "أنقرة لم ترسل بعد مقاتلين سوريين في إطار النشر المزمع (...)".
إذاً، بقطع النظر عن مدى مصداقية قصة مرصد رامي عبد الرحمن التي كذبتها وكالة رويترز، فضلاً عن نفي حكومة فائز السراج نفسها، فإن خطر تحول فصائل سورية عاطلة عن العمل وعن الثورة وعن جبهات الإبادة في إدلب، حقيقي وحاضر. وما توظيف تركيا مقاتلين سوريين في مهام لا علاقة لها بالثورة السورية، مثلما تفعل في حربها على عدوها الكردي في الشمال السوري بحملة يجمع اسمها النبع إلى السلام، سوى تأكيد لفرضية أنه عندما تُترك مجموعة من المقاتلين بلا مرجعية وطنية قيادية، وترمى وحدها في مواجهة عالم دموي يعتبر الشعب السوري زائداً عن الحاجة، فإنه يصعب توقع مناعة جماعية تمنع هؤلاء من "تدبر أمورهم"، بما يعيدهم إلى حاجاتهم البدائية الأولية: راتب وبندقية ووظيفة، وعلى الثورة والحرية السلام. أليس هذا ما يحصل فعلياً عندما يرابط آلاف المقاتلين السوريين في جبهات نائمة منذ سنوات في منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون، من جرابلس إلى أعزاز وعفرين وبقية أرياف حلب، في حين يمنع عليهم، أو ببساطة يفضلون عدم التوجه إلى معرة النعمان وسراقب وبقية عناوين المذبحة الروسية الأسدية؟
ينتهي العام التاسع للثورة السورية ولحربها بحقاراتٍ متعدّدة الأشكال: حقارة عالم ما عاد حتى يتفرّج على المذبحة التي كانت مثيرة ثم عادية فمملة. حقارة كل مسؤول سوري وغير سوري، مسؤول أو إعلامي أو مجرد مدني صمت عن تسمية القاتل ومعاملته بما تفرضه صفته تلك. حقارة لغة تمنع وصف بشار الأسد وفلاديمير بوتين وحسن روحاني وشي جين بينغ بما يستحقونه من شتائم خوفاً من رصانة ومن "أخلاق" ومن قانون مطبوعات. وحقارة أن يصبح انتقال مقاتلين سوريين إلى ليبيا ليحاربوا هناك بدل أن يتجهوا إلى إدلب، احتمالاً ممكناً، مجرد ممكن.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الضحك ضد الحرب
التالى أبرتهايد بمبادرة أميركية