تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

جيوبوليتيك الطاقة بين تركيا وليبيا

جيوبوليتيك الطاقة بين تركيا وليبيا
جيوبوليتيك الطاقة بين تركيا وليبيا

إشترك في خدمة واتساب

لم تلبث أنقرة وطرابلس ممثلةً بحكومة الوفاق المعترف بها دولياً أن توقعا مذكرات تفاهم، بخصوص ترسيم الحدود والتعاون الأمني والعسكري المشترك، حتى خرجت دول، في مقدمتها اليونان ومصر، تندّد بشدة بالحدث. وفيما برّر وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إبرام المذكرتين بالإشارة إلى السعي إلى حماية حقوق البلدين النابعة من القانون الدولي بشأن السيادة في المناطق البحرية، اعتبرت كل من القاهرة وأثينا القرار بمثابة الاعتداء السافر على حدودهما البحرية... ما هي الأهداف الأساسية للاتفاق التركي الليبي، وكيف يمكن تقييمه في إطار النزاعات الجيوسياسية ذات الصبغة الاقتصادية في المنطقة؟

أول دوافع تحرّك تركيا نحو إبرام المذكرتين مقدّرات البحر الأبيض المتوسط: تُقدر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، في تقريرها لعام 2010، أن حوض شرق البحر المتوسط يحتوي على احتياطي غاز بمقدار 122 تريليون متر مكعب، في مقابل 107 مليارات برميل من النفط الخام. وفي ضوء هذه الثروات الهائلة، تسعى تركيا إلى أخذ نصيبها مع الحفاظ على حق الجزء الشمالي التركي من جزيرة قبرص في هذه الثروات، وخصوصاً في ظل سوء علاقاتها مع أغلب دول الحوض؛ اليونان، سورية، مصر، "إسرائيل".
ربما لا تملك تركيا الكثير من هذه الثروات في إطار مياهها الإقليمية، أو حتى منطقتها الاقتصادية الخالصة بجرفها القارّي، والذي يمتد إلى مئتي ميل، لكن الجزء الشمالي التركي يملك كثيراً من هذه الخيرات التي دفعت أنقرة، حتى الآن، إلى تحريك سفينتي تنقيب في محيط المياه الإقليمية للجزء الشمالي التركي.
وفي عام 2013، أبرمت نيقوسيا والقاهرة اتفاقية جديدة بخصوص ترسيم الحدود البحرية 
"شرق المتوسط يحتوي على احتياطي 122 تريليون متر مكعب من الغاز، و107 مليار برميل من النفط"
المشتركة، والتي أكّدت اتفاقية تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة المُوقعة عام 2003، وأشارت إلى التوافق على تبادل مشاريع التنمية على تقاطع خط المنتصف. وفي حينها، استنكرت أنقرة الاتفاقية، معتبرةً أنها غير قانونية، ومشيرةً إلى أنها ستعمل على التنقيب عن حقوقها والجزء الشمالي التركي، حيث تؤسس الاتفاقية لتعاون يحاصر جغرافياً المساحة الممكن لأنقرة التنقيب فيها، ويُفند قانونياً تحرّكات تركيا في عمليات التنقيب في محيط جزيرة قبرص.
وعلى الرغم من إعلان تركيا عام 2014 قواعد اشتباك تحذّر من التنقيب عن مصادر الطاقة في محيط قبرص، بدون الرجوع إليها، إلا أن الأمر لم يفِ الغرض بحسبان تحرّك نيقوسيا مع شركة "أوبل إنيرجي" الأميركية، أي أن نيقوسيا أدركت مسبقاً مخاطر التحرّك التركي، فاتجهت، منذ بداية اكتشاف مقدّرات الحوض، نحو تحصين تحرّكاتها بالتعاون مع شركة أميركية.
وبتوقيع مذكرة التفاهم مع ليبيا حول ترسيم الحدود، تواجه أنقرة اتفاقية مصر ـ قبرص، باتفاقية مع ليبيا تُطلق لها العنان لإجراء تحرّكات استكشافية في مساحاتٍ جيدة من البحر المتوسط بدون العوائق الجغرافية والسياسية المذكورة، كما يمكّنها من امتلاك ورقة توازن قوى فاعلة ضد تحالف مصر ـ قبرص ـ اليونان ـ "إسرائيل" السياسي والاقتصادي، في محيط المتوسط الذي يُشكّل نموذجاً مثالياً لصراع جيوبوليتيك الطاقة في حوض شرق المتوسط، فمذكرة التفاهم إن تم توقيعها اتفاقية، فإنها ستشكّل حاجزاً أمنياً ـ اقتصادياً بحرياً أمام تحرّكات اليونان، تحديداً، تجاه قبرص، فالحاجز المذكور لا يقف على قدر إعاقة تحرّكات اليونان في المتوسط، بل يصنع 
"حصنت نيقوسيا تحرّكاتها في التنقيب بالتعاون مع شركة أميركية"
تداخلاً معقداً مع منطقتها الاقتصادية الخالصة، ما يجعلها أمام مشهد معقد يُضعف قدراتها على التحرّك خارج حدودها البحرية بالقرب من قبرص اليونانية، ويُجبرها على التحول إلى دولةٍ تسعى إلى الدفاع عن سيادتها البحرية في مواجهة دولةٍ (تركيا) لا تعترف باتفاقية البحار حتى الآن، فضلاً عن خلط المذكرتين المسار التاريخي الخاص بترسيم الحدود بين اليونان ومصر وليبيا، حيث يُرجع مصر وليبيا، إن لم يكن الآن، إلى التنقيب عن حقوقهما البحرية في ظل المذكرة البحرية الجديدة. ولعل تحرّك تركيا في هذا النحو الذي يحمل نوعاً من المخاطرة يأتي في إطارٍ حيويٍ بالنسبة لها، إذ إنها تغطّي ما نسبته 75% من النفط، و99% من الغاز الطبيعي من الخارج.
ثاني دوافع أنقرة إلى توقيع مذكرة التفاهم مع ليبيا رفع مستوى قدراتها على مواجهة المحور المضاد: بالركون إلى الدافع الأول، يتضح أن دافع تحرّك أنقرة تجاه الأراضي الليبية جيوبوليتيك الطاقة والمصالح الاقتصادية. جيوبوليتيك الطاقة الذي يعني توظيف قراراتها في السياسة الخارجية لصالح الاستفادة من مصادر الطاقة الموجودة في الجغرافيا المحيطة بها.
ستكون لأنقرة، من خلال هذه الاتفاقية، قدرة أكبر على التفاوض فيما يتعلق بمقدّرات قبرص، أمام مصر واليونان على حدٍ سواء، ولكن خصوصاً أمام الخصم التاريخي اليونان، حيث يمكن ذلك بالتلويح بتوظيف ورقة الحاجز البحري الاقتصادي بينها وبين ليبيا أمام اليونان التي ستصبح، في حال تحوّلت مذكرة التفاهم لاتفاقية فاعلة، منعزلةً عن حوض شرق البحر المتوسط إلى حدٍ كبير، وبالتالي ستبيت خاضعةً لورقة ضغط تركية للتفاوض التوافقي مع أنقرة، فيما يتعلق بثروات قبرص. وتكاد هذه النقطة تُشكّل السبب الأساسي لاندفاع اليونان نحو مطالبة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمساندتها في خلافها مع تركيا.
وبفعل الحاجز البحري المذكور، ستصبح بيد أنقرة ورقة فاعلة للضغط على أطراف التحالف الأخرى؛ مصر وإسرائيل. وإضافةً إلى مسألة حوض شرق المتوسط، ترفع المذكرتان من مستوى قوة تركيا ووجودها الأمني والعسكري في ليبيا أمام القطب الداعم لقوات المتمرد خليفة حفتر، وهذا ما يُساهم في إرجاح كفة الميزان في الميدان لصالحها نسبياً.
ثالث الدوافع التأطير الشرعي لتحركات تركيا: تأتي مذكرة التفاهم البحرية في إطار قانون البحار لعام 1982. وتأتي مذكرة التعاون الأمني المُشترك في إطار المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنصّ على حق الدول توقيع اتفاقيات دفاع مشتركة من أجل مواجهة المخاطر المواجهة لها. وفي ضوء ذلك، تسعى تركيا إلى تأطير تحرّكها في حوض البحر المتوسط وليبيا بعيداً عن أي عقوبات أو ضغوط قد يفرضها عليها مجلس الأمن أو الاتحاد الأوروبي.
رابع الدوافع تحرّك استباقي وقائي: من ناحية استباقية مُتعلقة بالتوقيت، يأتي الاتفاق قبل أيامٍ معدودةٍ من اتفاق مؤتمر برلين المُزمع عقده من أجل حل الصراع في ليبيا، حيث أرادت أنقرة، على الأرجح، المشاركة، أو دفع رئيس حكومة التوافق، فايز السراج، إلى المشاركة في المؤتمر، على وقعٍ يُثبت نفوذها قبل وضعه على طاولة المفاوضات، فضلاً عن رغبتها في تجاوز أي عائقٍ يطاول تحرّك حكومة الوفاق دولياً، أو أي نتيجة تغيّر الظرفية السياسية في ليبيا.
ومن ناحية وقائية، يأتي أمام تحرّكات مصر مع قبرص اليونانية واليونان، وأمام تحرّكات 
"يأتي الاتفاق قبل أيامٍ معدودةٍ من مؤتمر برلين المُزمع عقده من أجل حل الصراع في ليبيا"
بعض دول الخليج ومصر وفرنسا في دعم قوات حفتر المديد في هجومه على مناطق حكومة الوفاق. وعلى الأرجح، يأتي هذا التدخل التركي المباشر في ليبيا وحوض شرق المتوسط مخافة تكرار سيناريو خسارتها في سورية عند حدوث أي تسوية نهائية بخصوص المسألة الليبية. فضلاً عن تحرّك تركيا الوقائي ضد مناورات روسيا التي باتت اللاعب الأكبر في سورية المُطلة على حوض شرق البحر المتوسط، والتي انتقلت إلى اللعب في ليبيا بالتعاون مع مصر.
وتُعدّ هذه النقطة قاسماً مشتركاً بين تركيا وحكومة السراج التي تسعى إلى التحرّك مع تركيا ضد اليونان التي استقبلت وفداً من برلمان شرق ليبيا (غير المعترف به دولياً)، ووقعت معه خطة إعادة إعمار شاملة لبعض مناطق بنغازي. ونقطة المشاركة في عملية إعادة الإعمار مهمة جداً لأنقرة.
في الختام، تجدر الإشارة إلى أن الأمر ما زال في صيغة مذكرات تفاهم لم ترقَ إلى مستوى اتفاقية دولية نهائية مُودعة لدى الأمم المتحدة. ولعل أنقرة تقصّدت ذلك، ربما إدراكاً منها للوضع الشرعي لحكومة الوفاق داخل ليبيا، وفقاً لاتفاق الصخيرات الذي يوجب مصادقة البرلمان على الاتفاقيات، ما يجعلها تتحرّك بالمذكرات، من دون تجاوز القانون الليبي، إلى جانب رغبتها في إرسال عدة رسائل متعدّدة الاتجاهات، تجسّ من خلالها نبض الإقليم والساحة الدولية، بما لا يوقعها في مأزق مواجهة شاملة، ما يعني أن تحرّك أنقرة في التدرج بتطبيق مواد هذه المذكرات سوف يكون وفقاً لمواقف دول الإقليم والدول الفاعلة في الحوض وليبيا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بعد استنزاف الاحتياطي: الدولار إلى 21 ألف ليرة؟