أخبار عاجلة

نحلة تركية في شهر العسل

نحلة تركية في شهر العسل
نحلة تركية في شهر العسل

كان خبر النحلة التركية التي شغلت الإعلام البريطاني طريفاً، ويُشتبه في كونه عنصرياً أيضاً، ويصلح لفيلم "أنيميشن" من بطولة جيمس بوند إلكرتوني، وكانت النحلة الموّقرة قد دخلت بريطانيا من غير جواز سفر، أو طلب لجوء، مختبئةً في حقيبة عائلةٍ عادت من العطلة، ولم تردنا أخبار عن العائلة، ويرجح أنَّها بيضاء غير ملونة، وإلا اتهمت بالتآمر، وأنَّ اسكوتلنديارد الحكومة البريطانية انشغل بمطاردة النحلة التي قيل إنها عمّرت بيتاً من غير رخصةٍ قانونية، ثم اختفت عن الأنظار إلى العمل السياسي السري. 

تسلل إليَّ زائر في الثالثة فجراً بعد ليل النحلة التركية، فأخذت الصاعقة قلبي من الرعب. أستطيع أن أواجه ثوراً إسبانياً، وأن ألوّح له بعلمي الاتحاد السوفياتي والصين، لكني أجبن عن مواجهة الجرذ، وكان قد دخل من غير زمجرة، يسبقه شاربه، ولم يكن أسداً، لكنه من الفصيلة نفسها، فالجرذ من عطسة الأسد كما يقول ابن كثير والثعلبي.
غصصت بريقي، وانتصب شعري كالرماح في معركة عمّورية، وبدأت المعركة مع الجرذ ساعة من غير اشتباك مباشر، حتى استطعت إخراجه من البيت بالحيلة والمكر والدهاء، واستعمال طريقة الكراديس، والأرض غير المحروقة، وردّ العجز على الصدر. طهّرتُ البيت من إرهابه، وانتصرت على المؤامرة الكونية، ودفعته إلى الممر الآمن، وكنت أنوي فتح الباب له، حتى لا أتورّط في جريمة سورية جديدة، وأغرّم بدمه. والجرذ كريه. وكانت بقعة الدم التي يحتمل أن يخلفها وراءه بقتله ستظل تلطخ ذاكرتي طويلاً، وحمدت الله أنه اتخذ سبيله في ثغرة في السقف هرباً، فأغلقتها بخرقة. وفي الصباح، سدّدتها بمكعب خشبي بحجم علبة كبريت، وأفرغت عليها قِطرا، والقِطر هو النحاس المذاب. في العاشرة صباحاً، كان جاري وشريكي في القسم الثاني من النُزل، السيد "بالدور" قد استيقظ، فنزلت مستغيثاً: النجدة.. هل يباح في ألمانيا قتل الجرذان؟ فأفتى قائلاً: مباح.
قصصت عليه القصة، ورويت له معركتي مع الجرذ الذي اقتحم عليَّ خلوتي وأفسدها، وجعل ليلي نهاراً، فاستغرب، وسأل: كم كان حجمه؟ فوصفته له، فتبيّن لنا أنه أكبر من الفأر وأقل من الجرذ، وطلب مني وصف ذيله، فقلت إنَّ ذيله ينتهي بكبّة شعر مثل كبّة ذيل الأسد الغضنفر، وليس مثل ذيل الجرذ المدبب. وسألني عن وصف أذنيه، فقلت هما كبيرتان. وسألني عن قدرته على التسلق، فقلت له: ما شاء الله مثل العنكبوت، فضحك وقال: ثكلتك أمك، هذا ليس جرذاً، هذا يربوع، ويسمّى في ألمانيا سيبن شليفر، أي نائم السبعة وذمتها، وهو من فئران الحقل، وينام سبعة أشهر في حسوماً، وهو حيوانٌ نباتي، طيب ومسكين، كأنه نازح آوسلندر، يمشي جنب الحيط، ويقول يا ربي السترة.
كنت أتابع خبراً ألمانياً عن وافدين يحضرون أطايب الطعام من بلادهم، فتصادرها شرطة المطار خوفاً على صحة الألمان. وكان من المصادرات قرص عسل جبلي تركي بشهده، رمى به أمن المطار في سلة المهملات، وقال صاحب العسل ودمع كالعسل في عينيه: إن ثمن القرص خمسون يورو.
اختفت النحلة التركية، ودعت صحيفة حرييت التركية إلى إنقاذ حياة النحلة، ولم يقل أي مصدر إن قتلها خط أحمر. ونقلت صحيفة تلغراف البريطانية عن الخبير تيم لوفيت القول إنه من غير المرجح أن تتسبب النحلة في أزمة دبلوماسية، خصوصا وأنَّ فرص تكاثرها ضئيلة للغاية. وأضاف "نحلة واحدة لا تسبب كارثة، فستحتاج إلى إنشاء بيت قادر على الصمود في المنفى، والبدء في حياة جديدة، وإذا لم تجد شريكاً تركياً، فإن فرص ذلك يجب أن تكون تقريباً لا شيء"، فالنحلات البريطانيات لا يتزوجن إلا من يعسوب بريطاني.
لم نعرف هل هي نحلة موالية أم معارضة؟ وعسى أن تعثر على يعسوب، وتكمل نصف دينها، وأن تسْلُك سُبُلَ رَبِّها ذُلُلًا، وأن تخْرُجُ مِنْ بُطُنهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ، وأن تكذّب وزوجها قول كبلينغ: الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، حتى في مطار.
أما أنا فقد تأملت السدّ الذي بنيته في السقف، في وجه اليربوع، ثم قرّرت فتحه ثانيةً، فقد شعرت بالوحدة، وأضناني الشوق، فقد آن لي أن أعلم أن المثل الذي يقول "كله عند العرب صابون" باطل. الفئران ليسوا سواء، وجلست كل يوم أنتظر اليربوع غودو، من ثغرة السد الذي سيأتي منه يأجوج ومأجوج.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق العزف الانتخابي النشاز
التالى إيقاع المواجهة العسكرية الإقليمية بين إيران وإسرائيل