أخبار عاجلة

لمّا غاب السجال في برودة مناظرات تونس

لمّا غاب السجال في برودة مناظرات تونس
لمّا غاب السجال في برودة مناظرات تونس

أربعة وعشرون من أصل ستّة وعشرين من خيول السياسة في تونس يركبون صهوة المنصّة أمام الكاميرات، وأعين المشاهدين، في سباق من ثلاث جولات استقطبت اهتمام التونسيين. في تجسيد لتجربة عربية تحاكي ما ابتدعته المدرسة الأميركية بين مرشحي الرئاسة، والبحث عن لحظةٍ تجمع بين ألمعية السياسة وفنّ التواصل وإلهام الجماهير. هي ألمعية سياسية منشودة، تنمّ عن المغزى الرئيسي من عقد هذه المناظرات، بتباري مرشحي الانتخابات على طريقة حلقة الجدل المحتدم "آغورا" الذي اشتهرت به الساحة الرئيسية في أثينا بين فلاسفة الإغريق قبل 2400 عام، وتستوحي أيضا من ألمعية العقل السياسي في تقديم رؤى بديلة للمستقبل، كما فعل المنظرون وقادة الفكر الغربي في سجالاتهم النقدية ضمن حلقات النقاش في الجامعات العريقة. 

كانت "آغورا" سياسة تونسية واعدة، ولكن من حيث الشكل، وليس بالضرورة من حيث المضمون. وظل التركيز على منصة خطابية، وليس منصة ارتجال وإلهام لخيال الجماهير. نالت أربعة تحديات رئيسية من نجاح الجولات الثلاث في تقديم لحظة الألمعية المنشودة. أوّلا، ظلّت جولتا السبت والإثنين منحصرتين في سعي المرشحين إلى إبراز مهاراتهم الاتصالية والبلاغية، فيما اتسمت جولة الأحد ببعض الحيوية والتفاعل النسبي. ولكن الجولات الثلاث برمّتها لم تنجح في صنع الفعل السياسي أو اللحظة المفصلية لصالح مرشح(ة) بعينه(ا). كانت في مجملها مناظراتٍ تتقيّد بالشكل، وتراعي المعايير، وتضمن تكافؤ الفرص بدلا من استخراج جدلية سياسية وعصف ذهني بين الواقفين في المنصة أمام ملايين التونسيين، فغلبت الوسيلة على الغاية.
لا يُعزى الخطأ هنا إلى المرشحين، بل إلى تركيز لجنة تنظيم المناظرات على التزام المذيعين بالنص، سواء في قراءة الأسئلة، أو التلويح بسيف "90 ثانية" المسموح بها لكل جواب، أو 
"خلت الجولات الثلاث تقريبا من أسئلة المتابعة، ومن ملاحقة المرشح في جوابه"
توزيع الأدوار المتعاقبة لحديث كل منهم. وبلغ "تقديس" هذه المعايير حدّ الجمود الفكري تحت طغيان الطرح شبه الميكانيكي. لم يجد المشاهد فرصةً تستميل المرشحين نحو تفاعل حيوي، ما أثار خيبة أغلب المتتبعين جرّاء ضياع اللحظة المفصلية التي تجسّد الفرق بين رجل الدولة الملهم وخيول السياسة الراكضين على الطريق إلى قرطاج. وينمّ أسلوب تنظيم المناظرات عن ما يبدو سوء تقدير مسبقا، فقد قال رئيس نقابة قنوات التلفزيون الخاصة، الأسعد خضر، "سنكون صارمين للغاية في تحديد الوقت. هذه هي قاعدة اللعبة. أنتم أمام الشعب، ولديكم جميعا الوقت نفسه لإقناعه." ولم يتدارك قضية مهمة أنّ ما توقّعه قبل يوم السبت من "مناقشات غنية جداً وحامية جداً" لن يتأتى بفعل القواعد والنواهي والمحظورات المقرّرة، ما كبّل المذيعين، قبل أن يجرّ المتبارين نحو تقديم أجوبة خطابية، غلب عليها الطرح المعياري والنبرة المتخشبة والتكرار الاعتباطي.
هي غلبة النصّية المفرطة في طرح الأسئلة على حساب المبارزة الفكرية والخروج من المواقف المعدّة سلفا في ذهن المرشحين. تذكّر هذه الطريقة بأساليب المعلّمين التقليديين الذين يدفعونك إلى استعراض ما حفظته ذاكرتك، بغض النظر عن فهمك فحوى ما تحفظ. ليس الأداء في هذه المناظرات مجرّد صوت أو استرجاع أدبيات الحزب، بل صوت وصورة وحركية في صناعة أفكار ملهمة في خيال المشاهدين. وهذا الحد الفاصل بين أن تكون مرشحا مدجّجا ببرنامج انتخابي معدّ سلفا وأن تكون رجل دولة محنّكا، قادرا على بلورة صورة المستقبل وإلهام الجماهير. وفي أرشيف الولايات المتحدة، مناظرة عام 1960 بين المرشح الديمقراطي جون كينيدي وخصمه الجمهوري ريتشارد نيكسون في انتخابات الرئاسة الأميركية، وتباين مستوى التأييد لصالح نيكسون لدى الجمهور الذي تابعها عبر الإذاعة، ولصالح كينيدي بين من شاهدها على الشاشة.
ثانيا، خلت الجولات الثلاث تقريبا من أسئلة المتابعة، ومن ملاحقة المرشح في جوابه، ما يبدو غير منطقي أو مفتعل، وكذلك من استمالة تعليقات المرشحين الآخرين. وجد أغلب المرشحين أنفسهم يميلون نحو استذكار فقرات معينة من برامجهم الانتخابية على طريقة الينبغيات، أو ما يتعيّن أن يكون في مجالات الإعلام وتمكين المرأة وغيرهما. وهذه طروحات معيارية جامدة قد تمتد دقائق أو ساعات من دون الخروج بزبد سياسي محدد.
انجرفت المناظرات إلى طريقة "مدرسية" أنتجت "برودة" النقاش، وغابت لحظة الارتجال الفكري، وصنع الفعل السياسي في المنصة. ضاعت الفرصة من المذيعين مثلا، عندما قالت مرشحة الحزب الدستوري الحر، عبير موسى، ضمن وعودها الانتخابية، إنها ستسعى "إلى حظر الأحزاب القائمة على أساس ديني"، بينما لم يعقب عليها مرشح حزب حركة النهضة (الإسلامي)، عبد الفتاح مورو. حضر توزيع الأدوار، وغاب النقاش المحتدم واللكمات المرتقبة من حين إلى آخر، وهي طبيعة العلاقة بين روح المناظرات وحماسة مباريات الملاكمة. ولم تتحقق بالتالي نبوءة مهندس مبادرة المناظرات الرئاسية، بلعباس بنكريدة، الذي تحمّس لمشاركة من وصفهم مرشحي "العيار الثقيل"، ولم تحدث اللحظة المفصلية بين مورو وعبير موسى في تعزيز اختيارات تونس بين تياريهما.
التحدّي الثالث، غياب الأسئلة الحادة كالسّهم المستقيم، وهذا أمر كان من شأنه أن يكسر وتيرة الخطابية، ويقلّل من الجمل الطويلة في عروض أغلب المرشحين. لم يكن هناك "سؤال 
"غلبت النصّية المفرطة في طرح الأسئلة على حساب المبارزة الفكرية والخروج من المواقف المعدّة سلفاً"
المفاجأة"، وهذا العنصر هو مربط الفرس في متابعة مثل هذه المناظرات، فعلى مر ستين عاما، سجلت المناظرات التلفزيونية في الولايات المتحدة لحظات حاسمة، من أشهرها سؤال مذيع قناة سي إن إن، برنارد شو، عام 1988 المرشح الديمقراطي، مايكل دوكاكوس، أمام المرشح الجمهوري جورج بوش الأب: "هل ستؤيد الحكم بالإعدام إذا كانت ابنتك كيتي قد تعرضت للاغتصاب أو القتل". رد دوكاكوس: "كلا، لا أؤيد ذلك يا برني، أنت تعلم أني أعارض حكم الإعدام طوال حياتي. ولا أرى أي دليل على أن الإعدام يردع. وقناعتي أن هناك طرقاً أفضل وأكثر فعالية للتعامل مع جرائم العنف". لم يجد المشاهدون التونسيون لحظة معينة ينفذون من خلالها إلى ذاتية المرشح والمنطقة المتداخلة بين حياته في المجال الخاص وعمله السياسي في المجال العام. ولم يخرج المرشحون، بالتالي، من ذهنية الخطابة بما هو مقبول وسائد في المجتمع.
ينطوي التحدي الرابع على انشغال لجنة التنظيم والقناة التلفزيونية بالأمور الإجرائية، مثل تكافؤ الفرص بين المرشحين، وتناسوا أن الغاية الأساسية هي مساعدة المرشحين على تقديم أفضل اجتهاداتهم السياسية. إيقاع المناظرة وحصيلتها الفكرية كانا محكوميْن بإدارة النقاش وطرح المذيعين أسئلة تلقينية، في الغالب، بوتيرة بطيئة، وليس تحريك الكرة للتباري بين الواقفين في المنصة. واتسمت الحصيلة بالرتابة وإعادة إنتاج سردياتٍ يعرفها أغلب التونسيين. كان المذيعان، في الغالب، يطرحان السؤال، ثم ينشغلان بالتنسيق بينهما، وبتوجيهات المخرج بشأن السؤال التالي، ولم يساعدا المرشّح بالنظر في عينيه، والتركيز على ما يقول، حتى يشعر بالراحة والثقة في أدائه. وقد حد هذا الإخراج من فرص التباري الانتخابي المحتدم. ولم تكن قيادة فكرية واضحة لدى المذيعين في إدارة المنصة باتجاه الجدل والردود الاعتراضية والوصول إلى مناطق تفكير واجتهادات غير مسبوقة.
تؤسس مناظرة تونس بجولاتها الثلاث لمرحلة جديدة للخطاب السياسي النقدي العربي. ولكن، متى ننتقل من الوسيلة وجمود المنصة الخطابية إلى تحقيق الغاية والابتعاد عن النصية وقبضة الإلقاء المتخشّب؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق نحلة تركية في شهر العسل
التالى أي شرف لـ "جرائم الشرف"؟