في ذكرى رابعة

في ذكرى رابعة
في ذكرى رابعة

توقفت كثيرا أمام تلك المشاعر المتشابكه داخلي، ربما يعود الأمر إلى الصراع مع قلمي الذي صار عصياً، معلنا إفلاسه وحيرته في نقل مشاعر الألم والحزن وعدم الرضا والخيبة من أنماط إدارة المعارضة، وفي القلب منها الحركة الإسلامية لآليات الصراع ومحاوله تجميع الجماهير.
ربما كنا سابقا، نتبارى في هذا التوقيت في وصف الأحزان ونشر الصور والتحقيقات في كربلائية حزينة، ووصف لمظلومية كانت حدا فاصلًا وتأريخا لمحاولات الشعب في استرداد حريته.
نعم، إن مذبحة ميدان رابعة العدوية في القاهرة تاريخية في مسار لتضحيات الشعب المصري في سبيل نيل كرامته. إلا أننا اليوم وبعد أن صرنا أكثر نضجاً نستطيع أن نبتعد لخطوات من حالة التشيٌع التي نعيشها كل عام لنكون أكثر مصارحة مع أنفسنا، ونحاول معرفة ماذا قدمنا وأين نحن بعد ستة أعوام على المذبحة التي نقلت الصراع من دائرة السياسة إلى صراع يراه أصحابه فاصلا بين الحق والباطل. وكانت إيذانا لاستباحة الدم العربي في معظم الأقطار من سلطاته المركزية.
لست بصدد الحديث عن إثبات أن رابعة كانت مذبحه القرن، ولست بصدد البحث داخل المعجم لأجد تراكيب توافق قدرات حنجرتي في الحديث عن الألم وعن جرائم ارتكبت في هذا اليوم. هذا لن يحقق تقدما، لقد تجاوزت الأحداث كل هذا، حيث انتقل الصراع إلى مربع آخر، فيه نظام غير قادر على إثبات مشروعيته بسبب هذه الجريمة وبين شعب انتزعت قدراته وتم تفريغ عقله الجمعي من القدرة على النهوض والتعبير عن أرائه. أيضا، لست مطالبا مع غيري بإثبات أن الأسلاميين أكثر من قدم من تضحيات لهذا الوطن، هذا ثابت لا يمكن الإختلاف عليه. لكن يجب الإشارة إلى أن المجموع الجمعي لتضحيات الإسلاميين أكبر من سلبيات وأخطاء فترة إدارة الحكم، لنخرج من دائرة الكربلائية إلى محاولة استنهاض الجماهير التي استسلمت للأوضاع بعد أن تلقت أكبر صدمة في تاريخها.
الشاهد في هذه الذكرى حجم التفاعل الكبير مع ذكرى المذبحة بحق لمناهضين للانقلاب العسكري في مصر، تلازمه حالة من السخط العام من أداء المعارضة في الخارج، وفي القلب منهم جماعة الإخوان المسلمين، حتى لا نستهلك طاقاتنا في جلد الذات والحديث عن الأخطاء الإدارية لأحداث رابعة وما بعدها، وحتى لا تنسحب حالة الحراك الفكري الموجودة للانخراط في توجيه اللوم للضحية مع الجاني.
أحاول أن أثبت المفاهيم من أجل عمل منصة، يمكن الانطلاق منها، ليس هناك ضحية بل رجال ضحوا من أجل حريتهم، لم يوافقهم تقدير القيادات الميدانية في إدراك حجم المخاطر أو تصور حجم الإجرام الذي فاق التوقع والتصور.
إن تجاوزي لعدم إطلاق كلمه الضحية، لأننا نريد أن نخرج من دائرة الحزن، وأن نكون جبهة حقيقية للمعارضة، تكون أكثر ديناميكة في التعامل مع الأحداث من أولئك الشباب الذين أنضجتهم المحنة، لا يشارك فيها أحدا ممن كانوا جزءا من الأحداث، سواء كانوا في النظام أو المعارضة.
الحركه الإسلامية، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، ليست فقط مطالبة بتقديم رؤية لحلحلة الواقع وإنما مطالبة بإعادة التموضع واعتماد المراجعات وفقا للتغيرات الإقليمية والدولية بعد أن اتخذت المنهج الإصلاحي طريقا لها للتغيير. المراجعات العلمية التي تؤسس، لا لقيادة المعارضة والجماهير، وإنما تؤسس لإعادة الالتحام مع الشعب والبناء معه بعد أن تلقت أقسى ضربة موجعة لها عبر تاريخها. تلك الدراسات لا بد، أن يعمل عليها المتخصصون والأكاديميون من علماء الاجتماع والنفس والفلسفة، ثم تدعو الحركة إلى مؤتمر جامع، تدعو فيه كل الأطراف السياسية مع مختلف توجهاتها وأطيافها، تقدم فيه شبابها وقيادتها الجديدة لإدارة الصراع السياسي في المرحله القادمة، تتنازل في هذا المؤتمر عن شارة الكابتن التي اعتادت ارتداءها، وتقوم بتشكيل كيان جديد يجمع الجميع من أجل ملء الفراغات والمساحات.
هذا لن يتحقق إلا إذا نجحت الحركة الإسلامية في إعادة بناء مؤسساتها في الخارج، ومع تقديم تقييم منهجي موضوعي لإدارة الملفات الحقوقية والسياسية والإعلامية، عملا احترافيا لتقييم الفترة الماضية.
لا حرج في أن تخرج قيادات الحركة بكل فصائلها للحديث عن أخطاء الماضي، فالجماهير تريد مصارحة وشفافية تنطلق من خلالها قبل تقديم مشروعهم المستقبلي، ربما النجاحات الجزئية في البلدان المجاوره تونس والسودان والجزائر، ربما تشكل دافعا حقيقيا الآن لاستعادة روح الجماهير ومحاولة إعادة إنتاج حالة الحراك داخل المجتمع.
عزاؤنا أننا هُزمنا في معركتنا الأولى بشرف، خُلعنا ولم ننخلع. وأننا النقطة الوحيدة المضيئة التي قد يجاب بها حين يسأل الأحفاد: وأين كنتم!؟ وهل كان هناك رجال؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى إيقاع المواجهة العسكرية الإقليمية بين إيران وإسرائيل